دخلتُ السوق!

في منتصف السبعينيات الميلادية كان الفن الشعبي المتنفس الوحيد، وكنَّا نردد بعض الألحان والكلمات التي تشبه الأمثال في بساطتها وصدقها. لا أعلم لماذا تذكرت تلك الحقبة الآن، ولعله توارد خواطر مرّت مع الزمن فوجدت ما يوقظها فعادت. كنا نشدو مع ذلك الشادي:

“دخلت السوق مالي فيه حاجة وأنا في السوق مالي حظ طيب شفت اللي رفع ليا حجاجه سلب عقلي وأنا منه قريب”.

لم يكن السوق سوى مكانٍ عابر، تدخله بدافع الفضول، وتخرج منه بقصةٍ أو ابتسامة.

اليوم… دخلنا فضاء الرغبة فعلًا، لكننا لم نخرج.

لم يعد المكان مجرد سوق، بل صار حالة. تطبيقًا في الهاتف، إشعارًا أحمر، عرضًا “لفترة محدودة” لا ينتهي، وحاجةً تُصنع في داخلنا قبل أن تُعرض أمامنا. لم نعد نشتري لأننا نحتاج، بل نحتاج لأننا رأينا.

في ذلك الزمن كان الدخول إلى ذلك المكان احتمالًا، أما اليوم فهو فخٌّ مُصمَّم بعناية.

سطوة العروض التي تُشبه الكرم، لكنها كرمٌ مشروط ببطاقة ائتمان.

قدرة عجيبة على إقناعك أن حياتك ناقصة… حتى تقتني ما لم تكن تفكر فيه قبل دقيقة.

الاستهلاك في جوهره ليس خطيئة، لكنه حين يفقد ميزانه يتحول إلى هوية. لم يعد السؤال: ماذا أحتاج؟ بل: ماذا ينقص صورتي أمام الآخرين؟

صرنا نقيس الرضا بعدد الصناديق، ونقيس النجاح بحجم المشتريات، ونقيس الفرح بسرعة الشحن.

المؤلم أن منظومة الاستهلاك لم تعد تبيع سلعًا فقط، بل تبيع شعورًا مؤقتًا بالقيمة. نشتري لحظة انتشاء، ثم نعود نبحث عن غيرها.

المشكلة ليست في السوق… بل فينا حين دخلناه بلا حاجة وبقينا فيه بلا وعي.

الاستهلاك غير المقنن ليس رفاهية، بل استنزاف صامت؛ يستنزف الدخل، ويستنزف القناعة، ويستنزف معنى الاكتفاء.

هل نحن بحاجة إلى فنانٍ شعبيٍّ آخر يذكّرنا بأن ذلك المكان إن دخلته بلا حاجة خرجت منه بلا رضا؟

أم أننا بحاجة إلى وعيٍ لا تُغريه اللافتات، ولا تحرّكه التخفيضات؟

القضية أن قدرتنا على المقاومة تراجعت. كان قديمًا ساحةً نختبر فيها قدرتنا على الاختيار، أما اليوم فنختبر فيه القدرة على الاكتفاء.

السوق سيبقى، والعروض ستزداد، والإعلانات ستتقن مخاطبة ضعفنا أكثر مما نتقن نحن حراسة قناعتنا.

لكن تبقى جملة قديمة تستحق أن تُقال كلما هممنا بالدخول:

لها: ليس بالضرورة أن نأخذ ونعطي بالقدر نفسه؛ فلكلٍّ حاجته وقدرته. وإلا كنَّا نزرع في غير أرضنا، ونرويه بماء الآخرين، ثم نتعجب إن لم يُثمر كما نشتهي.

شيءٌ من ذاته: أعطيك أكثر من حاجتك، فتظن مع الوقت أنها ملكك. عندها لا يمنعك عقل، ولا يُعيدك منطق. هكذا تفعل بنا الوفرة حين لا يضبطها وعي؛ تُحوّل العطاء إلى استحقاق، والرغبة إلى حقٍّ مكتسب.

نقد: ليست لك وحدك… فلا تظن أنَّك المقصود بكل نداء، واعلم أنَّ تعدد المشارب رحمةٌ بنا، وأن الاتزان فضيلةٌ لا يروّج لها إعلان مسبق.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    مركز عُمان للتحكيم التجاري.. نحو بيئة أعمال متطورة

    يمثل مركز عُمان للتحكيم التجاري التابع لغرفة تجارة وصناعة عُمان، إحدى الركائز الأساسية لدعم بيئة الأعمال وتعزيز الثقة في المعاملات التجارية، بوصفه أحد الأذرع المؤسسية المهمة الداعمة لبيئة الأعمال والاستثمار،…

    "الوزاري الخليجي الكندي": تأكيد الحلول السياسية والسلمية لمُهددات الأمن مع تغليب المصالح العليا للشعوب

    استقبل صاحب السُّمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بمملكة البحرين الشقيقة، أمس معالي السّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية، وأصحاب السُّمو والمعالي…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    مركز عُمان للتحكيم التجاري.. نحو بيئة أعمال متطورة

    مركز عُمان للتحكيم التجاري.. نحو بيئة أعمال متطورة

    "سوني" تطلق نظام العرض المباشر المتكامل Crystal LED UNIFY بقياس 135 بوصة

    "سوني" تطلق نظام العرض المباشر المتكامل Crystal LED UNIFY بقياس 135 بوصة

    "الوزاري الخليجي الكندي": تأكيد الحلول السياسية والسلمية لمُهددات الأمن مع تغليب المصالح العليا للشعوب

    "الوزاري الخليجي الكندي": تأكيد الحلول السياسية والسلمية لمُهددات الأمن مع تغليب المصالح العليا للشعوب

    افتتاح "مهرجان المانجو الكبير" مع قائمة فاخرة في مطعم "موسم"

    افتتاح "مهرجان المانجو الكبير" مع قائمة فاخرة في مطعم "موسم"

    حماس المدرجات ينتقل إلى "ذا ليست" مع عروض حصرية

    حماس المدرجات ينتقل إلى "ذا ليست" مع عروض حصرية

    ثنائي "عُماني مصري" يضرب موعدًا بنهائي "رواد التنس"

    ثنائي "عُماني مصري" يضرب موعدًا بنهائي "رواد التنس"