من واقع الحياة

يقول المولى عز وجل في كتابه العزيز: “الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمران: 134).

في زوايا مجتمعاتنا العُمانية؛ حيث القلوب النقية هي اللغة المشتركة بين الناس، نسمع عن قصص قد لا تُروى كثيرًا، لكنها تُحفظ في ذاكرة الأيام، وتُكتب في صحائف أهل الاحسان، قصص أناسٍ اختاروا أن يكونوا مخفين عند فعل الخير والاحسان، لكن آثارهم تخبر عنهم بعد رحيلهم.

وفي حكايات واقع الحياة كان هناك من لم يكن يسعى ليعرفه أحد، ولا يطلب ثناءً من أحد؛ بل كان يمضي بين الناس كروح لا تُرى ولكن يحسّ بها من يُحسِن إليهم، كان يعرف طريق البيوت التي أثقلها غياب من يعيلها، وآهات أيتام لا تخرج من بيوتها، كان يحمل في يده عطاءً، وفي قلبه رحمة، وفي نيته سرًا يكون بينه وبين الله.

كان يأتي دون موعد، ويغادر دون أثر يترك إلّا في قلوب بيوت أرامل تعلّقت به دون أن تعرف اسمه، وأُمٍّ تسمع عنه ولا تعرفه شخصيًا.. أُمٌّ أنهكها الزمن فوجدته سندًا معها لقضاء حوائج أبنائها في المناسبات والأعياد ومع بداية الدراسة وفي الإجازات.. يُخفف عنهم أعباء الحياة، يسدّ نقصًا، ويمسح دمعة، ويزرع في تفاصيل يومهم الكثير من الطمأنينة.

لم يكن يُحدِّث أحدًا عن فعله، ولم يترك وراءه تعريفًا لنفسه، وكأنه كان يؤمن أن الخير الحقيقي هو الذي لا يحتاج إلى صوت ولا ضجيج، ولا يُرافقه ظهور. كان يمارس إنسانيته بصمت، ويُجسّد معنى التكافل الذي عُرف به المجتمع الاسلامي برحمة ولطف وباستمرار.

رحل- كما كان يعيش- بهدوءٍ يُشبه حضوره، لكن المفاجأة لم تكن في رحيله؛ بل في القصص التي بدأت تُروى بعده، قصص خرجت من بيوت لم تكن تعرفه شخصيًا، لكنها تعرف أفعاله وآثاره، افتقدته قلوب لم تلتقِ به وجهًا لوجه، لكنها عرفت فضله لأبنائها الأيتام.

إن بعض الناس من أهل الخير والإحسان لا يُعرَفون بأسمائهم؛ بل بآثارهم، وإن الخير فيهم يُزرع خُفيةً ثم يُثمر علنًا، وأن اليد التي تُعطي في صمت، يرفعها الله في الذكر ولو بعد حين.

في مجتمعاتنا العُمانية الأصيلة، لا تزال هذه النماذج حاضرة، تمشي بيننا دون ضجيج، تُحيي فينا معنى الرحمة، وتُعيد تعريف الإنسانية في أبسط صورها من الذين يجبرون خواطر المنكسرين، ويقفون مع الأيتام دون أن ينتظروا شكرًا أو دعاءً، ومع ذلك ينالون من الدعاء ما لا يُحصى.

رحم الله وجوهًا آثرت أن تجعل بينها وبين الله سرًا من الخير، فكان الله لها كافيًا، وشاهدًا، ومُجازيًا.

رحم الله كل قلب أعطى بصمتٍ، وجعل مما قدّم نورًا لنفسه في دنياه وآخرته.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    خاص الجريدة | مفاوضون إيرانيون عادوا من الدوحة إلى طهران لبحث مقترح أميركي.. ورد محتمل خلال ساعات

    كشف مصدر إيراني أن مساعد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي باقري كني، وعدد من أعضاء الوفد المفاوض عادوا من الدوحة إلى طهران، لعرض مقترح أميركي جديد على القيادة…

    تاكر كارلسون: ترمب قد يشن ضربة نووية على إيران خلال أيام بضغط من نتنياهو

    حذّر الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون من احتمال إقدام الرئيس الأميركي دونالد ترمب على توجيه ضربة نووية إلى إيران خلال الأيام المقبلة، مدعياً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمارس ضغوطاً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    تاكر كارلسون: ترمب قد يشن ضربة نووية على إيران خلال أيام بضغط من نتنياهو

    تاكر كارلسون: ترمب قد يشن ضربة نووية على إيران خلال أيام بضغط من نتنياهو

    خاص الجريدة | مفاوضون إيرانيون عادوا من الدوحة إلى طهران لبحث مقترح أميركي.. ورد محتمل خلال ساعات

    خاص الجريدة | مفاوضون إيرانيون عادوا من الدوحة إلى طهران لبحث مقترح أميركي.. ورد محتمل خلال ساعات

    الانتخابات النصفية: موجة زرقاء أم مفاجأة من «ماغا»؟

    الانتخابات النصفية: موجة زرقاء أم مفاجأة من «ماغا»؟

    أوروبا تعاقب موسكو وتشتري طاقتها!

    أوروبا تعاقب موسكو وتشتري طاقتها!

    الصين تدعو إلى الحلول السياسية لصراعات الشرق الأوسط وتؤكد دعمها لسيادة إيران

    الصين تدعو إلى الحلول السياسية لصراعات الشرق الأوسط وتؤكد دعمها لسيادة إيران

    سلطنة عُمان وبروناي دار السلام.. 4 عقود من الصداقة تتوجها زيارة سامية تاريخية

    سلطنة عُمان وبروناي دار السلام.. 4 عقود من الصداقة تتوجها زيارة سامية تاريخية