الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: انتحار أم انتعاش

تشهد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لحظة مفصلية تتراوح بين مسارين متناقضين: الانتحار الاستراتيجي أو الانتعاش المحسوب، فمنذ عقود، تعاملت الولايات المتحدة مع المنطقة باعتبارها ساحة نفوذ حيوي، مدفوعة بمصالح الطاقة، وأمن إسرائيل، واحتواء الخصوم، غير أن التحولات المتسارعة في موازين القوى الإقليمية والدولية باتت تفرض أسئلة جدية حول قدرة واشنطن على الاستمرار في النهج ذاته دون دفع أثمان متزايدة.

ولقد كشفت الحروب الممتدة، من العراق إلى أفغانستان، عن حدود القوة العسكرية الأمريكية في فرض الاستقرار، فالكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة، إلى جانب الفشل في بناء أنظمة مستقرة، أضعفت صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على إعادة تشكيل المنطقة، ومع ذلك، لم يؤدِ هذا التراجع إلى انسحاب كامل، بل إلى إعادة تموضع اتسم أحيانًا بالتردد وأحيانًا أخرى بالتصعيد.

وفي المقابل، برزت قوى إقليمية كإيران وتركيا، إضافة إلى أدوار متنامية لروسيا والصين، ما أدى إلى تقليص هامش المناورة الأمريكية، فالاتفاقيات الاقتصادية والاستراتيجية التي تعقدها هذه الدول، إلى جانب الانخراط العسكري والسياسي المباشر، تعكس انتقال الشرق الأوسط من نظام أحادي القطب إلى ساحة تنافس متعدد الأقطاب، وهذا ما يجعل من بلداننا فريسة لهذا التقاطع.

أحد أبرز التحديات التي تواجه واشنطن هو التناقض بين خطابها الداعم للاستقرار والديمقراطية، وممارساتها على الأرض، خصوصًا في ظل دعمها غير المشروط للكيان الصهيوني في صراعاتها مع الفلسطينيين، وهذا التناقض يضعف مصداقيتها لدى الرأي العام العربي، ويغذي مشاعر العداء، ما يحدّ من قدرتها على بناء تحالفات طويلة الأمد قائمة على الثقة، وهذا الدعم المطلق للكيان الصهيوني كان السبب في العديد من الأعمال العدوانية على بلداننا وخاصة انجراره للحرب القائمة على الجمهورية الإسلامية في إيران.

ورغم ذلك، لا يمكن إغفال عناصر القوة التي لا تزال تمتلكها الولايات المتحدة. فهي تحتفظ بشبكة واسعة من القواعد العسكرية، وعلاقات استراتيجية مع دول الخليج، إضافة إلى تفوق تكنولوجي واقتصادي يمنحها أدوات تأثير فعَّالة، كما أن انخراطها في ملفات مثل أمن الملاحة والطاقة يجعل حضورها ضروريًا في نظر كثير من حلفائها.

السيناريو الأول، وهو “الانتحار الاستراتيجي”، يتمثل في الاستمرار بسياسات المواجهة المفتوحة والتدخلات غير المحسوبة، ما قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وتعميق الأزمات، وفتح المجال أمام خصومها لملء الفراغ. أما السيناريو الثاني: “الانتعاش”، فيعتمد على مراجعة شاملة للسياسات، تقوم على تقليل الانخراط العسكري المباشر، وتعزيز الدبلوماسية، وبناء شراكات متوازنة تحترم مصالح شعوب المنطقة.

إن مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بقدرة واشنطن على فرض قوتها، بل بمدى استعدادها لفهم تعقيدات المنطقة والتعامل معها بواقعية وبعدالة مطلقة، فالاستمرار في النهج القديم قد يقود إلى مزيد من التراجع، بينما قد يفتح التكيف الذكي الباب أمام استعادة النفوذ بشكل أكثر استدامة. وبين هذين الخيارين، تقف الولايات المتحدة أمام اختبار تاريخي: إما أن تعيد صياغة حضورها، أو تواصل السير في مسار مكلف قد يقترب من الانتحار السياسي.

ويبقى السؤال الكبير الذي يحدد صفة وجود الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط: من الذي أوصل بلداننا إلى هذا الحد من التفكك والفساد والتبعية والاتكالية على الخارج لاستمرار أنظمتها؟ فنفوذ ووجود الولايات المتحدة في منطقتنا لا يبنى على شراكة حقيقية وشفافة، بل على مصالح اقتصادية وأمنية وعلى دعم مطلق للكيان الصهيوني ابتداءً من إنشاء قواعد عسكرية وانتهاءً بتوظيف رؤساء وحكام وحكومات يخدمون مصالحها ومصالح حلفائها وتحديدًا الكيان الصهيوني.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    وقعت سلطنةُ عُمان والمملكة المُتحدة على مذكرتيْ تفاهم بشأن الشراكة السيادية للتعاون وتشجيع الاستثمار، والتعاون الاستراتيجي في مجال البنية الأساسية الرقمية في إطار زيارة “دولةٍ” يقوم بها جلالةُ السلطان المعظم-…

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    في تعاون ثقافي مثمر بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، انطلقت، أمس الأربعاء، فعاليات أسبوع الفيلم الصيني في سلطنة عُمان، بتنظيم من سفارة جمهورية الصين الشعبية في سلطنة عُمان، وبالتعاون…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    الحراصي يستعرض استعدادات معرض مسقط الدولي للكتاب.. والانطلاق 24 مارس

    الحراصي يستعرض استعدادات معرض مسقط الدولي للكتاب.. والانطلاق 24 مارس

    انطلاق ندوة "جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العماني".. الإثنين

    انطلاق ندوة "جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العماني".. الإثنين

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    الإثنين.. تكريم الفائزين في مسابقة "الإجادة الإعلامية"

    الإثنين.. تكريم الفائزين في مسابقة "الإجادة الإعلامية"

    تعاون بين "حقوق الإنسان" و"اتحاد العمال" لصون الحقوق العمالية

    تعاون بين "حقوق الإنسان" و"اتحاد العمال" لصون الحقوق العمالية