ضيف وردي من باطن الأرض

يخرج Cistanche rosea من قلب الأرض، وكأنه سرٌّ ملوّن نسي أن يبقى خفيًا.

جسد لحمي بلون وردي فاقع، تتراكب حراشفه كما لو كانت بتلات منحوتة من الشمع، رطبة وناعمة، تشي بالحياة رغم افتقاده لأي ورقة خضراء.

يعيش متطفلًا على جذور النباتات المضيفة، لا يطلب من الشمس نصيبًا، بل يستمد وجوده من غيره، فتنعكس الحياة بضيف رائع يفرض حضوره بجرأة لونية تخطف الأنظار. أزهاره الصغيرة البيضاء المصفرة تخرج بخجل من بين الوردي الكثيف، مزدانة بزغب دقيق يشبه الريش الناعم.

ورغم الجفاف في الأماكن وأحيانًا شح الأزهار، إلا أنه من الممكن أن نلمح ما هو جميل وأنيق في مظهره ومنظره، فيقف كقطعة فنية وسط الصمت، يوقظ الدهشة ويؤكد أن الجمال قد يولد حتى في أقسى الظروف.

ليس نباتًا عاديًا يمر مرور العابرين، بل حضور مفاجئ، كجملة شعرية تظهر في منتصف صفحة صامتة. يربك العين أولًا، ثم يأسرها، ويجبر المتأمل على التوقف طويلًا، متسائلًا كيف استطاع هذا الكائن، الخارج من رحم القسوة، أن يحمل كل هذا الوهج.

هو ابن الخفاء، لا يُرى إلا لمن انحنى قليلًا نحو الأرض، ولا يكشف جماله إلا لمن أحسن الإصغاء للطبيعة حين تهمس. كأن الأرض حين يشتد بها العطش، تخبئ شيئًا من زينتها في باطنها، ثم تفاجئ به من يعرف الصبر.

في عالم اعتدنا فيه أن نقيس الحياة بالخضرة والأوراق، يأتي هذا النبات ليكسر القاعدة، ليقول إن الحياة ليست لونًا واحدًا، وإن الجمال لا يشترط وفرة، ولا يحتاج دائمًا إلى سماء مفتوحة. يكفيه جذر خفي، وقليل من الصبر، ليصنع دهشة كاملة.

هكذا هو Cistanche rosea، ضيف وردي من باطن الأرض، يمر كأثر لطيف في ذاكرة المكان، ثم يختفي، تاركًا خلفه يقينًا صامتًا أن الطبيعة، مهما بدت قاسية، لا تخلو من أناقة، ولا تعجز عن أن تدهشنا متى ما قررت أن تتجلى.

ينتشر نبات Cistanche rosea في أرجاء شبه الجزيرة العربية، حيث يرتبط وجوده بالبيئات الجافة وشبه الجافة التي تتوافر فيها النباتات المضيفة المناسبة. يُسجَّل حضوره في جنوب الجزيرة العربية، خاصة في سلطنة عُمان، ولا سيَّما محافظة ظفار ومحيطها، ويمتد توزيعه إلى أجزاء من اليمن، مع تسجيلات محدودة في مناطق من جنوب غرب الجزيرة. يظهر هذا النبات في الأراضي الرملية والحصوية والسهول الصحراوية والوديان المفتوحة، مختبئًا تحت سطح الأرض معظم الوقت، ولا يكشف عن نفسه إلا في مواسم محددة، فيبدو كزائر مفاجئ يزين قسوة المكان بلمسة وردية لافتة، مؤكدًا فرادة التنوع النباتي في صحارى الجزيرة العربية، وهو أحد أنواع الأذنون، ويُسمّى محليًا في بعض مناطق ظفار (بيسير).

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    وقعت سلطنةُ عُمان والمملكة المُتحدة على مذكرتيْ تفاهم بشأن الشراكة السيادية للتعاون وتشجيع الاستثمار، والتعاون الاستراتيجي في مجال البنية الأساسية الرقمية في إطار زيارة “دولةٍ” يقوم بها جلالةُ السلطان المعظم-…

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    في تعاون ثقافي مثمر بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، انطلقت، أمس الأربعاء، فعاليات أسبوع الفيلم الصيني في سلطنة عُمان، بتنظيم من سفارة جمهورية الصين الشعبية في سلطنة عُمان، وبالتعاون…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    الحراصي يستعرض استعدادات معرض مسقط الدولي للكتاب.. والانطلاق 24 مارس

    الحراصي يستعرض استعدادات معرض مسقط الدولي للكتاب.. والانطلاق 24 مارس

    انطلاق ندوة "جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العماني".. الإثنين

    انطلاق ندوة "جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العماني".. الإثنين

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    الإثنين.. تكريم الفائزين في مسابقة "الإجادة الإعلامية"

    الإثنين.. تكريم الفائزين في مسابقة "الإجادة الإعلامية"

    تعاون بين "حقوق الإنسان" و"اتحاد العمال" لصون الحقوق العمالية

    تعاون بين "حقوق الإنسان" و"اتحاد العمال" لصون الحقوق العمالية