إعدام العدالة

وُُجد القانون لتقييد العنف وحماية الإنسان، لا لمنح ما يجيز قتله. لذلك فإن مصادقة الكنيست الإسرائيلي، بوصفه سلطةً تشريعيةً في كيانٍ قائم على الاحتلال، على ما يُسمّى بـ«قانون إعدام الأسرى»، تمثل توظيفاً قسرياً للتشريع يشرعن القتل، وانحرافاً أخلاقياً جوهرياً عن وظيفة القانون.

وبهذا المنطق الإستعماري، يصبح ذلك  القانون العدواني والمزيف، أداة قهر مصاغة بلغة التشريع، تصدر عن سلطة تفرض منظومتها بالقوة على شعب لا يشارك في صياغتها ولا يملك السيادة عليها. 
فرض العقوبات القصوى، وعلى رأسها الإعدام، من قبل سلطة احتلال، يتناقض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، الذي يقيّد صلاحيات القوة القائمة بالاحتلال ويُلزمها بضمان محاكمات عادلة، لا استخدام القضاء كامتداد للهيمنة.

إصدار أحكام الإعدام في هذا السياق يطرح خللاً جوهرياً في مفهوم العدالة ذاته. سلطة تجمع بين موقعي الخصم والقاضي، وتعمل ضمن بيئة قسرية، ليس لها شيئاً من الحياد. والمحاكمات التي تُجرى تحت الاحتلال، وأمام محاكم عسكرية، تنعدم فيها ضمانات الاستقلال والنزاهة، وتتحول من وسيلة لكشف الحقيقة إلى إجراء يكرّس قرارات مسبقة.

النصوص التي تستند إلى مفاهيم فضفاضة، مثل “الدافع القومي”، تفتح المجال لتجريم الهوية والانتماء، لا الفعل المحدد. بهذا، ينتقل القانون من معاقبة سلوك مُعرّف إلى استهداف جماعي، ويُعاد تعريف الجريمة وفق إرادة السلطة، لا وفق معيار قانوني موضوعي.

تطبيق عقوبة نهائية كالإعدام في منظومة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات القضائية يضاعف خطر الخطأ. في بيئة يجري فيها انتزاع الاعترافات تحت الضغط، وتبقى الأدلة محل نزاع، يصبح الحكم بالإعدام قرارًا غير قابل للمراجعة أو التصحيح، بما يحوّله إلى فعل إعدام خارج نطاق العدالة، وإن تم بغطاء قانوني.

هذا التشريع لا ينفصل عن سياق أوسع من ممارسات القتل. القصف، والاغتيالات، واستهداف المدنيين، تمثل أنماطًا متكررة للعنف. ما يضيفه القانون هنا هو تحويل هذه الممارسات إلى فعل مُقنّن، يمنحها مظهر الشرعية دون أن يغيّر طبيعتها.

من منظور القانون الدولي، يشكل هذا التشريع انتهاكاً واضحاً. قواعد الاحتلال الحربي، كما أرستها اتفاقيات جنيف، تقيد سلطة الاحتلال وتمنعها من فرض منظومة عقابية تتجاوز متطلبات الضرورة العسكرية وتفتقر إلى معايير العدالة. الاتجاه الدولي العام يسير نحو تقليص عقوبة الإعدام، لا توسيع نطاقها، خصوصًا في سياقات النزاع.

القانون، في هذه الحالة، يُستخدم لإعادة تعريف العدالة بما يخدم القوة. النصوص لا تنظّم العنف، بل تعيد إنتاجه بصورة مشروعة شكليًا. بذلك، يتحول القضاء من أداة حماية إلى أداة سيطرة.

هذا التشريع يعبّر عن نهجٍ عدواني وسياسةٍ تُكرّس الاحتلال، لا عن عدالة. يستهدف كسر إرادة الأسرى وردع المجتمع، ويفرض معادلةً قائمةً على الخوف. والنتيجة مزيدٌ من المقاومة والتصعيد، مع انعدام الاستقرار وتآكل الردع القانوني الفعلي

 هذا القانون لا يمكن وصفه سوى انتهاك قانوني، لأنه يخرق قواعد القانون الدولي الإنساني. وهو فعل سياسي موجّه ضد شعب واقع تحت الاحتلال. وهو انحدار أخلاقي، لأنه يُشرعن القتل باسم العدالة.

مواجهة هذا الواقع تتطلب رفضه وفضح تعارضه مع قواعد العدالة الدولية، وتفعيل المساءلة على المستوى الدولي. كما تتطلب نقل قضية الأسرى من إطار التعاطف إلى إطار الفعل، باعتبارها قضية تمس البنية الكاملة للمجتمع الواقع تحت الاحتلال.

ان تحويل القانون إلى أداة في يد القوة لا ينهي العدالة، بقدر ما يعيد تعريفها وفق منطق القهر. وعند هذه النقطة، تكون المعركة على الأرض وعلى معنى العدالة ذاته.

هذه دعوة صريحة لرفع الصوت في مواجهة هذا الانحراف، لكسر الصمت، وتسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة. الصمت أمام مثل هذه القوانين تواطؤ يتيح لها أن تترسخ. لذلك، يصبح الاعتراض موقفاً أخلاقياً وقانونياً، ويغدو الصراخ في وجه هذه النصوص ضرورة قصوى.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني