فول وقصب (9)

الأراجوز يَحلِق ذقنه، يتعلَّم الحلاقة النظيفة، يعاونه النسناس عوض بشفرة حلاقة مستقيمة، وهنا يقول عوض بعضًا من الوعظ الذي تعلمه في السيرك.

عوض: عارف يا أراجوز، دنيا السيرك حلوة أوي، وفيها فلوس كتير،  بس فيها خناقات كتير برضه.

شرح عوض قصة البهلوان الذي لكمه في الماضي، وضحك على ذيله وطربوشه الأحمر، وقال له كلامًا لا يُقال لقرد!، حين قال البهلوان بثقة كبيرة:

وقف البهلوان، فوق تلك الحبال، وصاح أمام الجميع أنه لن يسقط، وأن الحبال تعرفه جيدًا كما يعرفها، ومن سيفعل مثله؟ لا أحد طبعًا! وهنا بكى عوض النسناس، وصاح وراح إلى قسم الغلابة، ولم يحتمل الإجابة التي جاءت من الجميع، من أسد السيرك الذي تعود على بلع اللحمة الطازجة وهو يضحك، أو من الزرافات التي أخرجت رؤوسها الغريبة من الأقفاص من باب الفضول فقط.

عوض: وجعني قلبي أوي، وما قدرتش أنام، عرفت الظلم يا أراجوز.

وحنِّيت للبلد، والناس في البلد، والصحبة الحلوة، والبنت الي كنت بحبها.

وهُنا سأل الأراجوز سؤالًا لا يُسأل لنسناس، لكنه سأله من باب الإنسانية، ورغبته أن يكون له قرب كبير مع صديقه الجديد عوض، وهنا سأل بعفويته الأراجوزية.

أراد عوض أن يشرح أنه يحب عمل السيرك أكثر، وأنه يحاول أن يُنسي نفسه أي نوع من أنواع الشوق، وهنا فكر الأراجوز وشعر أنه يعرف الشوق جيدًا، خصوصًا أنه يتذكر دلولة طيلة الوقت، وقت الغروب والشروق.

يتذكرها حين تقف في الشرفة بجسد الماريونيت الجميل وهي أجمل دمية في المدينة، وفي أي مسرح للعرائس رأه في حياته، وهي أفضل من أي غزالة ظهرت في حياة السيرك كلها.

قلبها يناديه، يشاكسه حين يجلس وحيدًا، يتردد اسمه في ذهنه، وبين أفكاره، ووسط مشاعره الكثيرة، ولا يريد أن يقطع أحد قطار الشوق هذا، لكن عوض النسناس لوح بيديه للأراجوز ليوقظه من حلم اليقظة ليسأله:

الأراجوز: افتكرت الأغنية دي…. “من كم سنة وأنا ميَّال ميَّال… وفي حبك أنا مشغول البال”.

وهنا بحث الأراجوز عن صورة دلولة داخل قلبه، هل هي هناك بين أحشاء القطن؟ ولماذا ليس له صورة لها يعلقها وسط السيرك ربما، ليتذكر دلالها وغنجها وسط نهار أو ليل يعمل فيه كثيرًا، هل هي بخير؟، فلتطمئن قلبه.

نامت دلولة، وهي مشغولة تُفكِّر في الفساتين، بعد أن أغلقت الأنوار في البلكونة، وصارت الشرفة شبة مظلمة، ظهرت لها شربات وهي تحمل صينية صغيرة فيها الشربات والعصير، اعتادت تقديمها للصغار ممن يزورون مسرح العرائس أو في مناسبات شتى تحضر فيها شربات ودلولة لتقديم العروض.

شربات بوجهها المنتفخ، وشعرها البمبي المنتشر بشكل غير منتظم، فوق رأسها المحشو بالقماش والقطن، تطرح فكرة.

دلولة: ما قدرش، فيها رجالة كتير، والأراجوز بيغير عليا.

تذكرت دلولة لحظات عبَّر فيها الأراجوز عن غيرته الشديدة على دلولة، وقال بكلمات قليلة يشرح فيها تعقيد شخصيته، وأنه رجل شرقي لا يمكن أن يُغيِّر طباعه، وأن أهم طباعه أنه رجل غيور، وهل هو فعلًا كما يعتقد؟ إنه رجل شرقي، من يدري؟!

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    مبعوث خاص من كوريا الجنوبية يناقش مع إيران "حرية الملاحة في هرمز"

    قالت وزارة الخارجية في كوريا الجنوبية اليوم الخميس أن وزير الخارجية تشو هيون سيرسل مبعوثا خاصا إلى إيران لمناقشة الوضع في الشرق الأوسط والقضايا الثنائية. وأضافت الوزارة في بيان لها…

    جلالة السلطان يتلقى رسالة خطية من رئيس كوريا

    تلقى حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- رسالةً خطيّةً من فخامةِ لى چاى ميونغ رئيسِ جمهوريّة كوريا الصّديقة، تسلّمها نيابةً عن جلالتِه صاحبُ السُّموّ السّيد…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    جلالة السلطان يتلقى رسالة خطية من رئيس كوريا

    جلالة السلطان يتلقى رسالة خطية من رئيس كوريا

    مبعوث خاص من كوريا الجنوبية يناقش مع إيران "حرية الملاحة في هرمز"

    مبعوث خاص من كوريا الجنوبية يناقش مع إيران "حرية الملاحة في هرمز"

    جلالة السلطان والرئيس الفرنسي يؤكدان مواصلة جهود معالجة جذور الصراع بالمنطقة

    جلالة السلطان والرئيس الفرنسي يؤكدان مواصلة جهود معالجة جذور الصراع بالمنطقة

    بالفيديو.. دموع وسجود في أولى لحظات افتتاح المسجد الأقصى المبارك

    بالفيديو.. دموع وسجود في أولى لحظات افتتاح المسجد الأقصى المبارك

    الإمارات "تدين بشدة" الهجمات الإسرائيلية على لبنان

    الإمارات "تدين بشدة" الهجمات الإسرائيلية على لبنان

    لبنان يُذبح وسط صمت عالمي

    لبنان يُذبح وسط صمت عالمي