فن الرزفة.. شغفٌ قديم

ذهبتُ البارحة لأحضر عُرسًا، يسوقني شغفٌ قديم لسماع الأهازيج الشعبية ومُشاهدة ذلك التجمع الحافل حول من يؤدّون الرزفة، في حماسٍ واضح وابتهاجٍ يعمّ الحضور. ويبلغ الحماس ذروته حين ينزل جمعٌ غفير من الناس يرزفون ويردّدون الأشعار المصاحبة للرزفة.

ويتملكني العجب، وأحتار في تفسير سرّ ذلك الاندفاع من الصغار والكبار للمشاركة في أداء فن الرزفة، لدرجة أنني أحاول الولوج إلى داخل عقل كل فردٍ من أولئك الذين اندفعوا للمُشاركة. فأتخيل أنَّ هذا هاربٌ من مشكلاتٍ تُلاحقه، وذاك عاشقٌ ولهان حرّكت كلمات الغزل المصاحبة للرزفة مشاعره، وآخر يطلب النسيان والسلوى، وطفلٌ انساق إعجابًا بالحركات المقترنة بفن الرزفة، وآخر قد ملأ فؤاده الحنين إلى الماضي، وذلك الرجل المسنّ شارك ليُثبت أنَّه ما زال حيَّ المشاعر والأحاسيس.

هذه الفنون تثير الذكريات وأيامًا مضت، وأحلامًا تلاشت، وأشياء أخرى. وهي أيضًا تراث شعبٍ أصيل وعريق، وعاداتٌ وتقاليد، وحضارةٌ راسخة الجذور، وهي رمزٌ من رموز الرجولة والفروسية والشهامة والقوة وطلب النصر.

ولقد كنتُ أحد هؤلاء الذين اندفعوا نحو ساحة أداء فن الرزفة، وأحاول أن أشارك الجميع ما يشعرون به، وكأنني العالم الخبير بمشاعرهم، ولي أهدافي الخاصة. فقلبي لا يزال أخضر، كما يقولون، تثيره رقصة مُبدع، وكلمات شاعرٍ نبطي يُخاطب حبيبته الهاجرة وأشواقه المتدفقة.

وكان أبي يأخذني لحضور المناسبات المختلفة التي يُقام فيها فن الرزفة، وكان يحملني على كتفيه وهو يؤدي الرزفة مع القوم؛ إنه شغفٌ قديم إذن.

وحين نشرتُ مقطعًا مسجّلًا عن مُشاركتي في فن الرزفة، والذي لم أستطع إتقانه كما يجب، وصلتني تعليقات تعيب عليّ ذلك، ومنهم من ذكّرني بأنَّ الرقص والغناء حرام، وأنه لا يليق بي المشاركة فيه، وساق لي ما عدّه أدلةً شرعية على حرمة ذلك.

ورأيتُ من يحمل عصاه ويذهب عند بدء أداء فن الرزفة، وبعضهم لا يحضر العرس إذا علم أنَّ فيه فرقةً لتأدية هذا الفن، حتى لو كان مدعوًا.

ولا طاقة لي بالجدال في الأمور الدينية، غير أنني كنت أعتقد- وقد أكون مخطئًا- أن هذه فنون شعبية حماسية، وأن الحضور في الغالب رجال، ولا اختلاط فيها، وأن كلماتها راقية محتشمة، بعيدة عن الابتذال، ولا تدعو إلى الفسوق والفجور والرذيلة، ولا تخالف الأعراف السائدة، ومن ثم فلا بأس من سماعها ومشاهدتها.

وقد طُلب مني حذف المقطع الذي صورته عن فرقة شعبية متخصصة في تأدية فن الرزفة، كما عابوا عليّ تسمية الرزفة بالرقص، وقالوا إنَّ الرقص للنساء فقط، وكنت أظن أن تسمية الرزفة «رقصة شعبية» أمرٌ جائز.

لكنني حضرتُ، ولستُ نادمًا ما دمت لا أُلحق الضرر بأحد، ولأنني أحترم الرأي المخالف، فإنني أرجو احترام رأيي فيما يحتمل التأويل.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني