قمة جدة: تكثيف التكامل العسكري

في توقيت بالغ الحساسية، عقد قادة دول مجلس التعاون، أمس، قمة تشاورية استثنائية في مدينة جدة السعودية، بحضور ممثل سمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد، سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد.

وترأس ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، القمة الخليجية التشاورية لقادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون.

ووفق وكالة الأنباء السعودية (واس)، فإن القمة، التي شارك فيها عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، والأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي، ناقشت عدداً من الموضوعات والقضايا المتعلقة بالمستجدات الإقليمية والدولية وتنسيق الجهود تجاهها.

وقال الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم البديوي إن القمة عُقِدت تلبية لدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

وأضاف أن المشاركين في القمة بحثوا الأوضاع الإقليمية الراهنة، خاصة المتصلة بالتصعيد في المنطقة، وما تعرضت له دول المجلس والأردن من اعتداءات إيرانية سافرة، والسبل الكفيلة بإيجاد مسار دبلوماسي ينهي الأزمة، ويمهد الطريق للتوصل لاتفاقات وتفاهمات تعالج مصادر قلق دول المجلس، وتعزز الأمن والاستقرار في المدى البعيد.

وتابع البديوي بأن المجتمعين ثمنوا دعوة السعودية لعقد القمة، والتي تظهر حرص المملكة على تعزيز التضامن بين دول المجلس، وتنسيق مواقفها للتعامل مع التحديات التي تمر بها المنطقة حالياً.

وأوضح ان المجتمعين أعربوا عن الإدانة والاستنكار الشديدين للاعتداءات الإيرانية السافرة التي تعرضت لها دول المجلس، والأردن، والتي طالت المنشآت المدنية ومنشآت البنية التحتية فيها، وما نتج عنها من خسائر في الأرواح والممتلكات، والتي تعد انتهاكاً جسيماً لسيادتها، وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ولقواعد حسن الجيرة، كما أن هذه الاعتداءات الإيرانية الغادرة قد أدت إلى فقدان ثقة دول المجلس بإيران بشكل حاد، وهو ما يتطلب من إيران بالمبادرة إلى بذل الجهود الجادة لإعادة بناء الثقة.

وأكد المجتمعون على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها وأمنها واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون.

بن سلمان يشيد بحرص قادة الخليج على العمل المشترك لتحقيق استقرار دول المجلس

وأشار البديوي إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دولها في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها من التصدي للاعتداءات الصاروخية وبالطائرات المسيرة والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين، والحفاظ على أمن الدول الأعضاء ومقدرات شعوبها.

وبين أن القادة أشادوا بما أظهرته دول المجلس من قدرة على التعامل مع التحديات التي واجهتها وتمكنها من تجاوزها نظراً لما حظيت به من حكمة في التعامل، وما شهدته الفترة الماضية من تضامن فيما بينها، حيث تمكنت الدول الأعضاء من إعادة تأهيل منشآت الطاقة المتضررة من الاعتداءات الإيرانية بسرعة وكفاءة عاليتين، بما أسهم في الحفاظ على إمدادات الطاقة، وكذلك التعامل مع اضطراب سلاسل الإمداد، وتعزيز التعاون في المجال اللوجستي، وقطاع الطيران.

ورفض القادة الإجراءات الإيرانية غير القانونية لإغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة فيه، وتهديد أمنها، ولأي إجراءات يكون من شأنها التأثير سلباً على الملاحة فيه، بما في ذلك فرض رسوم تحت أي ظرف أو مسمى لعبور السفن من خلاله، وعلى ضرورة استعادة أمن الملاحة وحريتها وعودة الأوضاع في المضيق كما كانت عليه قبل 28 فبراير 2026.

ووجه المجتمعون الأمانة العامة إلى الاستعجال باستكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع السكك الحديدية الخليجية، مشيرين كذلك إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، بالإضافة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، وكذلك مشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي.

وأكد قادة دول المجلس أهمية تكثيف التكامل العسكري بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ البالستية.

وفي نهاية القمة، حضر ممثل سمو الأمير، سمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد، مأدبة غداء أقامها ولي العهد السعودي على شرف قادة ورؤساء الدول المشاركة في القمة.

وبعد انتهاء القمة، عاد سموه إلى البلاد مع الوفد الرسمي الذي رافقه، وضم كلاً من رئيس ديوان سمو ولي العهد، الشيخ ثامر الجابر،   ووزير الخارجية الشيخ جراح الجابر، وعدداً من كبار المسؤولين.

وكان في استقبال سموه على أرض المطار سمو الشيخ أحمد العبدالله رئيس مجلس الوزراء، ووزير شؤون الديوان الأميري الشيخ حمد الجابر، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني الشيخ حمود المبارك.

ولاحقاً، أعرب ولي العهد السعودي عن شكره لقادة دول مجلس التعاون على ما بذلوه من جهود في قمّتهم التشاورية، وحرصهم على تعزيز التواصل والتشاور ودعم أوجه التنسيق والعمل المشترك لكل ما يحقق أمن المنطقة واستقرارها.

وخلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء في جدة أيضاً، تابع بن سلمان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات بالمنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، وجدد مواقف المملكة الثابتة بشأنها، والدعم المستمر لجميع الجهود والمساعي الدبلوماسية الهادفة إلى إرساء دعائم السلم والاستقرار العالميين.

من ناحيته، كتب أمير قطر على «إكس» أن «قمتنا الخليجية التشاورية في جدة تجسّد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية وصون أمن المنطقة واستقرار شعوبها وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية والازدهار».

وقبل انطلاق القمة، قال المتحدث باسم «الخارجية» القطرية، ماجد الأنصاري، إن القمة الخليجية ستبحث تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل التعامل مع التهديدات، كما ستناقش إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على الملاحة وسلاسل الإمداد.

وأوضح الأنصاري أن الموقف الخليجي واضح بخصوص الأزمة الحالية، وهو أن حلّها يكون عبر المسار الدبلوماسي، مشيراً إلى أن قطر تدعم وساطة باكستان، وترفض بأي شكل من الأشكال تهديد أو إغلاق مضيق هرمز.

أمير قطر: ضرورة تكثيف التنسيق لتعزيز دور الخليج الفاعل في صون أمن المنطقة

ولفت إلى أن قطر جددت تأكيدها رفض استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية، أو تهديد الملاحة فيه بأي شكل من الأشكال، وتعتبر أن أمن هذا الممر الحيوي يمثّل ركيزة أساسية لاستقرار أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية.

وشدد على أن قطر تسعى إلى حل نهائي للصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، ولا تريد العودة للأعمال العدائية، أو بقاء الوضع في حالة جمود.

وشدد على أن أولوية قطر هي استقرار المنطقة، وأنها «مع أي مفاوضات لوقف إطلاق النار أو فتح مضيق هرمز»، وتضع نصب أعينها الوصول إلى حل دبلوماسي، مؤكداً أن «النزاع سينتهي على طاولة المفاوضات».

وفي ظل هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران بعد حرب استمرت نحو 40 يوماً، استضافت المملكة هذه القمة التشاورية في ظرف إقليمي بالغ الدقة، كشفت تطوراته وتداعياته غير المسبوقة عن تحوّل كبير في منظومة الأمن الإقليمي، مما يستدعي تعزيز العمل الخليجي المشترك، وتطوير استراتيجية خليجية متكاملة تعزز آليات التعامل مع الأزمات، بالاستفادة من دروس المرحلة الراهنة وتحدياتها.

وبينما تمرّ منطقة الخليج بمرحلة حرجة في أعقاب حرب الـ 40 يوماً، شكّل العدوان الإيراني تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتحدياً خطيراً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

وأكد مجلس التعاون الخليجي أن «الاعتداءات الإيرانية الغادرة»، التي تعرضت لها دول مجلس التعاون بجانب انعكاساتها الخطيرة على الأمن والاستقرار، لم تغيّر من سياساته نحو التنمية والاستقرار ودعم الدول المحتاجة، مشددة على أن دول المجلس بذلت جهوداً كبيرة لمنع الحرب.

من ناحيتها، قالت وكالة «وام» إن القمة ناقشت التطورات الإقليمية والتداعيات الخطيرة للاعتداءات الصاروخية الإيرانية الغاشمة والإرهابية، التي استهدفت المدنيين والمنشآت والبنى التحتية المدنية في عدد من الدول الخليجية والعربية الشقيقة، وانعكاساتها على استقرار المنطقة والسلم والأمن الإقليمي.

وأضافت الوكالة: «دان أصحاب الجلالة والسمو المشاركون في الاجتماع، واستنكروا بأشد العبارات، العدوان الإيراني الإرهابي الذي شكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، ومخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وتابعت: «كما أكدوا حق كل الدول المستهدفة في الرد على هذه الاعتداءات، بما يكفل حماية سيادتها وأمنها الوطني وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين والزائرين».

عبدالله بن زايد: التحديات الإقليمية تتطلب أعلى درجات التكامل

ونقلت عن وزير الخارجية الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد تأكيده خلال القمة ان «المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتكامل لمواجهة التحديات الإقليمية، والتصدي لكل أشكال التطرف والإرهاب، بما يسهم في صون أمن واستقرار دولنا وشعوبنا».

وشدد على أن «أمن دول مجلس التعاون الخليجي كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي تهديد يمس سيادة أي دولة عضو يعد مساساً مباشراً بأمن المنظومة الخليجية بأكملها».

وأشار إلى التزام الإمارات الراسخ بدعم مسيرة مجلس التعاون الخليجي، وتعزيز دوره المحوري في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    3.4 مليار ريال استثمارات قطاع النقل والتخزين.. و24 اتفاقية و9 مبادرات في "اليوم اللوجستي"

    احتفلت سلطنة عُمان باليوم اللوجستي، في فعالية نظمتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، وذلك تحت رعاية معالي أنور بن هلال الجابري وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بفندق قصر البستان، بحضور معالي…

    "مضيق ترامب" وليس "هرمز".. الرئيس الأمريكي يفجر موجة جدل

    نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صورة على منصة “تروث سوشيال” تطلق على مضيق هرمز اسم “مضيق ترامب”، في خطوة تصعيدية جديدة تزامنت مع توجيهه تهديدات شديدة اللهجة لإيران. ويأتي هذا…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    3.4 مليار ريال استثمارات قطاع النقل والتخزين.. و24 اتفاقية و9 مبادرات في "اليوم اللوجستي"

    3.4 مليار ريال استثمارات قطاع النقل والتخزين.. و24 اتفاقية و9 مبادرات في "اليوم اللوجستي"

    "مضيق ترامب" وليس "هرمز".. الرئيس الأمريكي يفجر موجة جدل

    "مضيق ترامب" وليس "هرمز".. الرئيس الأمريكي يفجر موجة جدل

    مجتبى خامنئي: الإدارة الجديدة لمضيق هرمز ستجلب الهدوء والازدهار.. و"الحرس" يتوعد "العدو" بـ"ضربات طويلة ومؤلمة"

    مجتبى خامنئي: الإدارة الجديدة لمضيق هرمز ستجلب الهدوء والازدهار.. و"الحرس" يتوعد "العدو" بـ"ضربات طويلة ومؤلمة"

    جلالة السلطان يصدر مرسوما ساميا

    جلالة السلطان يصدر مرسوما ساميا

    الأحد.. "اتحاد عمال سلطنة عُمان" يكرم الفائزين بجائزة العمل النقابي

    الأحد.. "اتحاد عمال سلطنة عُمان" يكرم الفائزين بجائزة العمل النقابي

    صُور.. سيدة الملاحة البحرية

    صُور.. سيدة الملاحة البحرية