70 ريالًا.. جُرم أم عوز؟!

خلف الأبواب الموصدة، وفي زوايا البيوت التي يسكنها الصمت، تدور معارك لا يسمع ضجيجها أحد.

معارك أبطالها أناس أتقنوا الصبر، وارتدوا التعفف ستارًا يخفون به انكساراتهم عن أعين العالم.

يمشون بيننا عاديين، بملامح لا تفضح شيئًا، وبقلوب مثقلة بكل شيء، أولئك الذين وصفهم الخالق في محكم تنزيله: “يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ” (البقرة: 273) ليس لأنهم لا يحتاجون، بل لأنهم اختاروا أن يصونوا حاجتهم بكرامة تليق بهم.

بالأمس، وفي مشهد إنساني مرَّ سريعًا على البعض، وتوقف طويلًا في داخلي، كان هناك رقم صغير في ظاهره، عميق في معناه: سبعون ريالًا فقط، رقم قد نعبره دون انتباه، لكنه عند أحدهم، كان حدا فاصلاً بين ضيق يتراكم، وفرج يتسلل بهدوء.

في ختام النسخة الثالثة عشرة من مبادرة “فك كربة” وبينما كانت الأرقام الكبيرة تُعلن كإنجازات عظيمة لمجتمع لا يكف عن العطاء، استوقفني رقم ضئيل في حجمه هائل في ثقله الإنساني كان المتحدث يقول :”أقل مبلغ تم سداده 70 ريالًا عُمانيًا”، خلف هذا الرقم البسيط تكمن قصة إنسان لم يكبله الجُرم؛ بل العوز سبعون ريالا كانت الحائل بينه وبين رائحة بيته ودفء أطفاله وطمأنينة وسادته، 70 ريالًا كانت كفيلة بأن تحوله من إنسان يسعى في مناكب الأرض إلى سجين خلف القضبان يقتله الانكسار كلما تذكر أنَّ ثمن حريته يُعادل قيمة وجبة أو كمالية عابرة في حياة الآخرين.

ليست القضية في الرقم ولا في الحكاية التي لا نعرف تفاصيلها، بل في تلك المسافة الصامتة بين الإنسان وحاجته؛ حيث يقف التعفف كحارس نبيل، يمنع السؤال، ويؤجل البوح، ويترك القلب وحيدا في مواجهة الحاجة.

الإنسانية لا تقاس بضخامة ما نُعطي، بل بقدرتنا على أن نشعر، أن نرى ما لا يُقال، وأن ننتبه لما لا يُطلب.

أن نكون عادلين لا في الأحكام، بل في الإحساس، أن ندرك أن الفرص لا تتساوى، وأن الحياة لا توزّع أثقالها بالعدل دائمًا، لكننا، كبشر، نستطيع أن نعيد شيئًا من هذا التوازن حين نمد أيدينا للآخرين.

رُب مبلغ صغير، يُعيد طمأنينة كبيرة، ورب لفتة خفية، ترمم ما كاد ينكسر في الداخل.

نحن لا ننقذ الآخرين فقط حين نعينهم، نحن ننقذ فينا شيئًا أعمق، شيءٌ يذكرنا أن هذه الحياة، مهما قست، ما زال فيها متّسع للرحمة.

يا صاحبي، لا تستصغر من المعروف شيئًا، ولا تظن أن القليل لا يُحدث فرقًا، فخلف كل وجه صامت، حكاية لا تُروى، وخلف كل تعفف حاجة تنتظر أن تفهم، لا أن تسأل.

الإنسانية في أبهى صورها، ليست في أن نُعطي فقط، بل في أن نحفظ كرامة من نعطيه، أن نكسر الحاجة، دون أن نكسر صاحبها، فلنكن أكثر إنسانية لا بالكلام، بل بالفعل.

فلنُدرِّب قلوبنا على أن ترى، قبل أن تحكم. وأن تسأل، قبل أن تمر، وأن تمتد أيدينا، قبل أن يضطر أحدهم أن يطلب.

ولن نتغير كمجتمع إلا حين نؤمن أن التكاتف ليس مبادرة عابرة؛ بل أسلوب حياة، فكونوا رحمةً تمشي على الأرض… واسألوا قبل أن تمروا، وتكاتفوا قبل أن يتأخر الفرج، فبعض الأرواح لا تحتاج أكثر من إنسانٍ واحد يراها.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    زوال إسرائيل ومستقبل المنطقة

    كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران عن مفاجآت لم تكن معروفة عن إسرائيل وأهمها أن إسرائيل تستطيع أن تحارب طويلًا وعلى كل الجبهات خلافًا للمعلوم عن إسرائيل أن جيشها صغير…

    بين الفقد والدعاء.. حكاية أُم لا تُنسى

    تجربة المشاركة في مراسم الدفن ليست جديدة عليّ، فطالما شاركتُ فيها، وطالما صافحتُ الأيادي أُعزي أصحابها لفقدهم بالكلمات المعتادة، ولكن الشعور الحقيقي بمعنى الفقد لا يتأتى ما لم تكن في…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    زوال إسرائيل ومستقبل المنطقة

    زوال إسرائيل ومستقبل المنطقة

    في قلب الأمان تنمو الطفولة

    في قلب الأمان تنمو الطفولة

    بين الفقد والدعاء.. حكاية أُم لا تُنسى

    بين الفقد والدعاء.. حكاية أُم لا تُنسى

    70 ريالًا.. جُرم أم عوز؟!

    70 ريالًا.. جُرم أم عوز؟!

    صرخة طالب في المدرسة

    صرخة طالب في المدرسة

    من شرفة عامي السبعين.. تأملات في سيمفونية الصمت والحكمة (1)

    من شرفة عامي السبعين.. تأملات في سيمفونية الصمت والحكمة (1)