إغراق المكان بالضجيج

في أواخر القرن التاسع عشر، في ذروة الترف والاختلال الذي عاشه البلاط القاجاري، استُحدِث في عهد الملك ناصر الدين شاه، منصب لا نجده في كتب الإدارة ولا في دفاتر دواوين الدول من قبل ولا من بعد، بل، ألا وهو منصب “أمين الضرطة”!

كان صاحب هذا المنصب فتى يقف عند باب الحمّام الملكي من الداخل. وما إن يدخل الملك حتى يبدأ الفتى بالغناء بصوت عالٍ، دون توقف، لا طربًا ولا تسلية، بل لأداء وظيفة تقوم على إغراق المكان بالضجيج لكيّ يُغطي على تلك الأصوات التي يطلقها الملك وتجنبه الشعور  بالحرج! 
باختصار .. لم يُطلب من الفتى سوى أمر واحد فقط: أن يكون صوته أعلى من صوت الحقيقة.

بعد فترة اتضح جلياً أن ذلك الفتى “أمين الضرطة” أدّى مهمته بكفاءة وإخلاص، فأعجب الملك بولائه وسرعة بديهته، ورأى فيه أهليةً ليكون قريب منه، فقام بترقيته إلى “حامل أبريق حمّام الملك”. وهكذا انتقل الفتى من ستر الصوت الخارج من الجسد إلى خدمة الجسد ذاته، في منطق بلاطي لا يخضع لأهمية المناصب والكفاءة  بقدر اهتمامه بالجانب الذي يبعث له لاسترخاء واللذة! 

انتهت الدولة القاجارية، وانتهى ملوكها، وراحت قصورها واختفت حماماتها، وتحوّل تاريخها إلى حكايات، لكن منصب أمين الضرطة لم ينتهِ بعد! 
تبدّل زمانه وشكله، وتغيّرت لغته، ولم يعد مرتبطًا بأي حمّامات ولا أباريق، حيث لا يظهر اليوم “أمين الضرطة” واقفاً عند أبواب الحمّامات كالسابق، بل تجدونه واقفاً عند أبواب بعض المسؤولين والتجار وأصحاب النفوذ، لم يعد يغنّي، بل: يكتب مقالًا يجمّل القبح، أو يلقي خطابًا يبرّر الفساد، أو يصدر فتوى تشرعن الظلم، أو يقدم نصيحة كاذبة يُسوّق فيها للغش! 

الوظيفة واحدة لم تتغير: التغطية على ما يفعله الطغاة والفاسدون، ورفع الضجيج كي لا يسمع الناس الحقيقة.

في منطق السلطة، لا يُكافأ من يقول الحقيقة، بل من يعرف متى يرفع صوته ليخفيها. فالترقية ليست لمن يواجه، بل لمن يغطّي. والقُرب من صاحب المنصب ليست لمن ينصحه، بل لمن يحميه من الإحراج، ولو على حساب المجتمع كله

لهذا، ليست المأساة في وجود الفاسدون والطغاة وحدهم، فالتاريخ لم يخلُ منهم يومًا، بل في أولئك الذين قبلوا طوعًا أن يكونوا أمناء ستر وتغطية، وأن يحوّلوا الضجيج إلى مهنة، والسكوت إلى فضيلة، والكذب إلى موقف أخلاقي.

سقطت القاجارية كنظام، لكنها بقيت كمنطق. وبقي منصبها الأبرز هو من يغنّي ليُغرق هدوء الحقائق بضجيج الباطل، في وقت تحتاج فيه الحقيقة أن تُسمع.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني