ليست "مزحة ثقيلة".. على ترامب أن يعتذر

في مشهد صادم ومستفز لمشاعر العُمانيين، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حديثه عن أزمة مضيق هرمز والتوتر مع إيران بتصريح صادم تجاه عُمان، قال فيه حرفياً إن على عُمان أن “تتصرف مثل الجميع”، وإلا فإن الولايات المتحدة “ستضطر لقصفها” أو “blow them up”، في عبارة أثارت موجة غضب واستياء واسعة لما تحمله من تهديد فج ومتعالٍ تجاه دولة لم تُعرف إلا بالحكمة والدبلوماسية والسلام.

قد يحاول البعض تبرير الكلام بأنه جاء في سياق انفعالي أو ضمن أسلوب ترامب الشعبوي المعروف بالمبالغات والاستعراض، لكن المشكلة أن الكلمات عندما تصدر من رئيس دولة عظمى لا تُقاس فقط بنيّة قائلها، بل بما تحمله من دلالات وإهانات تمس كرامة الدول والشعوب.

 فكيف إذا كان الحديث موجهاً إلى سلطنة عُمان، الدولة التي لم تكن يوماً عدواً لواشنطن، بل واحدة من أكثر الدول التي عملت على الجمع بين أمريكا مع فرقائها السياسيين في المنطقة بهدوء ومن دون ضجيج أو ابتزاز؟

هنا يشعر كل عُماني بمرارة السؤال الشعبي القديم: “أهكذا يُقابل الإحسان؟”

فعلى مدى عقود، لعبت عُمان دور الوسيط النزيه وصمام الأمان في أكثر ملفات المنطقة تعقيداً. ومن مسقط انطلقت قنوات التفاوض السرية بين واشنطن وطهران، وعبر أراضي السلطنة ومطاراتها عاد رهائن وسجناء ومحتجزون أمريكيون وأوروبيون إلى أوطانهم بعد أن فقدت عائلاتهم الأمل في رؤيتهم أحياء.

فبالأرقام لا بالشعارات، ساعدت السلطنة في الإفراج أو الإجلاء الإنساني عن ما لا يقل عن ١٤ أمريكياً أحياء، إضافة إلى رفات أمريكي واحد، من بينهم ثلاثة أمريكيين أُفرج عنهم من إيران بين ٢٠١٠ و٢٠١١، وأمريكيون آخرون من اليمن في أعوام ٢٠١٥ و٢٠١٦ و٢٠١٨ و٢٠٢٠. 

كما ساهمت عُمان في إطلاق أو نقل تسعة أوروبيين على الأقل، بينهم بريطانيون وفرنسيون وسويديون، إضافة إلى ١١ آسيوياً وأفريقياً ضمن مجموعة الـ١٤ الذين نُقلوا من صنعاء إلى مسقط عام ٢٠٢٢: سبعة هنود، وفلبيني، وإندونيسي، وإثيوبي، ومواطن من ميانمار.

ولم تكن تلك العمليات مجرد “صفقات سياسية” باردة، بل حملت وجهاً إنسانياً عُرف عن عُمان في أحلك الظروف. فقد جرى استقبال كثير من المفرج عنهم في مسقط، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية لهم، وتأمين انتقالهم الآمن إلى أوطانهم. بعضهم تحدث عن المعاملة الراقية والهدوء والاحترام الذي لقيه منذ لحظة وصوله إلى الأراضي العُمانية. 

كما عبّرت عائلات رهائن أمريكيين أُفرج عنهم من إيران عن امتنانها العميق للدور العُماني، ووصفت يوم وصول أبنائها إلى مسقط بأنه “أفضل يوم في حياتها”. وحتى المسؤولون الأمريكيون أنفسهم، ومن بينهم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، أشادوا علناً بالدور العُماني في الإفراج عن محتجزين أمريكيين من اليمن.

والمفارقة المؤلمة أن الدولة التي كانت واشنطن تلجأ إليها كلما انسدت أبواب الحوار مع خصومها، تُقابل اليوم بلغة تهديد أشبه بما يُقال للأعداء أو الدول المارقة. 

بل إن العلاقات العُمانية الأمريكية نفسها تُعد من أقدم العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وتعود إلى معاهدة الصداقة والتجارة عام ١٨٣٣، أي قبل قرابة قرنين من الزمن. ومن مسقط انطلقت أولى الجسور الدبلوماسية المبكرة بين دولة عربية ناشئة والولايات المتحدة الفتية آنذاك، حين أرسل السلطان سعيد بن سلطان السفينة “سلطانة” إلى نيويورك عام ١٨٤٠ حاملة أول مبعوث عربي رسمي إلى أمريكا.

ورغم كل ما تتعرض له السلطنة أحياناً من حملات تشكيك أو إساءات أو محاولات للتقليل من دورها، فإن عُمان بقيت وفية لنهجها القائم على الحكمة والحياد واحترام الجميع، حتى وإن أغاظ ذلك البعض. فعلى مدى عقود، لعبت السلطنة دور الوسيط المحايد في التوسط لحل أزمات المنطقة، وحرصت على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، واضعةً مصلحة الاستقرار والسلام فوق الاصطفافات والمحاور والصراعات العابرة. 

ولهذا اكتسبت مسقط احتراماً دولياً واسعاً بوصفها أرضاً للحوار لا ساحةً للتحريض، وجسراً للتقارب لا منصةً للتهديدات والمزايدات السياسية.

إن ما قاله ترامب لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر أو “مزحة ثقيلة”، لأنه مسّ كرامة شعب كامل يعرف جيداً تاريخ بلاده ومواقفها الإنسانية. وعندما يشعر العُماني بأن بلاده التي مدت يد العون تُهدد بالقصف بدل الشكر، فمن الطبيعي أن تتحول الصدمة إلى غضب واستياء واسع.

ولذلك فإن أقل ما ينبغي أن يحدث هو تقديم اعتذار علني وصريح من ترامب، ليس فقط للسلطنة، بل أيضاً لكل من ساهمت عُمان في إنقاذهم وإطلاق سراحهم من الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم، ولكل عائلة استعادت أبناءها بفضل الجهود العُمانية الهادئة.

فالاحترام لا يُشترى بالقوة، والتحالفات لا تُبنى بالإهانات، والدول لا تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية، بل بقيمها ومصداقيتها ووفائها لمن وقف معها في الأزمات.

أما عُمان، فستبقى كما كانت دائماً: دولة حكمة وسلام وكرامة، لا تساوم على احترامها، ولا تنسى من أحسن إليها… ولا من أساء.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني