بأقلامنا نبني وبوعينا نواجه

منذ عرفت البشرية الحرف، أصبح القلم ذاكرة الأمم وأرشيفها الأمين. التاريخ لا يؤلف الأحداث ولا يخترع الوقائع؛ هو سجلّ دقيق لما جرى على الأرض، ينقل للأجيال خلاصة التجارب، دروس النجاح، ومرارة التحديات. من هذا المنطلق تتحدد قيمة الكلمة، وتتضاعف مسؤولية الصحفي والإعلامي في نقل الحقيقة كما هي، بمهنية لا تجامل، ومسؤولية لا تغفل.

ظل القلم عبر العصور السلاح الأصدق للصحفي. ليس سلاح هجوم أو تشهير، بل درع يدافع عن الحق، ومشرط يكشف الزيف، ومنبر يوصل صوت الوطن والمجتمع بصدق. الصحافة رسالة سامية، قائمة على الأمانة والتحقق واحترام عقل القارئ. هدفها الأول بناء الوعي العام، وترسيخ القيم الوطنية والإنسانية التي تماسك بها الشعوب.

لكن زمن المنصات المفتوحة غيّر المعادلة. منحت الشبكات الاجتماعية الجميع حق النشر، فاختلط الغث بالسمين، وبرزت أصوات تدّعي الإعلام وهي أبعد ما تكون عن أخلاقياته. تمارس التضليل، تنشر معلومات غير مدققة، وتصنع الإثارة على حساب الحقيقة. هؤلاء لا يمثلون الصحافة المهنية التي تقوم على توثيق المصادر والالتزام بالميثاق. غايتهم تحقيق مكاسب شخصية، حتى لو كان الثمن تشويه الصورة العامة والمصلحة الوطنية.

وعندما تتطاول أقلام على وطن بحجم سلطنة عُمان، وتشك في منجزاتها أو مواقفها الراسخة، فإنَّ الرد لا يكون بخطاب انفعالي ينجر إلى فخ الإساءة. الرد يكون بمستوى الوعي الذي عُرفت به عُمان عبر تاريخها. القانون كفل حرية التعبير المسؤولة، وفي الوقت نفسه وفّر الحماية لكل من يتعرض للتشهير أو نشر الأخبار الزائفة. الاحتكام إلى القانون، وتقديم الحقائق للرأي العام بموضوعية وشفافية، هو الطريق الأقوم لمواجهة التجاوزات.

لقد أثبتت السلطنة على مدى عقود أنها دولة مؤسسات وقانون. مكانتها الإقليمية والدولية لم تُبنَ بالشعارات، بل بالحكمة والاعتدال والعمل الدؤوب. هذه الحقائق الراسخة لا تحجبها مقالة مغرضة ولا منشور عابر. الإنجاز شاهد على نفسه، والتاريخ لا يضيع، وسيحتفظ دائمًا بالحقيقة مهما حاول البعض طمسها.

إن مسؤولية الدفاع عن الوطن وصون مكتسباته ليست مهمة جهة بعينها. هي واجب على كل مواطن مخلص، وكل إعلامي شريف، وكل كاتب يدرك وزن الكلمة وأثرها. القلم إما أن يكون أداة بناء تعلي صرح الوطن، أو وسيلة هدم تقوّضه. والفارق بينهما ضمير من يمسك به، يدافع عن الحقيقة، وبه يواجه التضليل، وبه يسهم في حماية الوطن وتعزيز مكانته للأجيال القادمة.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني