يا مركز الدولة سلام

وداد الاسطنبولي
لست من أبناء هذا المكان، ولم أعش بين جدرانه أو أرافق تفاصيل أيامه، لكن بعض الأماكن تفرض حضورها في الذاكرة الوطنية حتى على من لم يسكنها. ومن بين تلك الأماكن هذا الحصن الذي ارتبط بتاريخ عُمان الحديث، وحمل بين جدرانه صفحات من حياة السلطان الراحل قابوس بن سعيد. 
سمعت عن الحصن من الآباء والأعمام الذين عرفوا المكان أو عاصروا شيئًا من حكايته، فكان الحصن في رواياتهم أكثر من بناءٍ أثري؛ كان شاهدًا على زمنٍ كامل، وعلى ذكريات ما زالت حية في نفوس من عرفوه. 
 البيوت تحيط بحصن جلالة السلطان من جهاته، تسكنها أسر الحاشية التي ارتبطت بالمكان وعاشت في ظلاله سنوات طويلة.  
وأيضا جموع كثيرة من” كافة قبائل وشرائح أبناء الوطن  ” وأيضا ؛ من جاليات وجنسيات أخرى؛ الذين يقدمون خدماتهم للدولة وتمازجت عرقيات تلك الثقافات بين بعضها؛ وشكلت ” مجتمع” مميزا ” بكل تعامله وتعاملاته مع القاصي والداني،                                       وفي تلك البيئة تشكلت شخصيات أبنائهم؛ فشبّوا على الانضباط وحسن السلوك واحترام الكبير وتقدير المسؤولية. 
لم تكن خصوصية المكان في جدرانه وحدها، بل في القيم التي غرسها في نفوس ساكنيه. فقد انعكست هيبة القرب من المقام السامي على تفاصيل الحياة اليومية، فكان الأدب سمةً، والتهذيب نهجًا، والالتزام خلقًا يتوارثه الأبناء عن الآباء. 
وحين يروي كبار السن ذكرياتهم عن تلك الأيام، لا يتحدثون عن بيوت متجاورة فحسب، بل عن مجتمع صغير جمعته المحبة والاحترام والشعور بالانتماء لمكانٍ كان جزءًا من ذاكرة الوطن وتاريخه. 
وحين يُقام اليوم حفلٌ كبير لاستحضار ذكرى هذا الحصن، فإن الاحتفاء لا يكون بمكانٍ فحسب، بل بتاريخٍ عاش في وجدان أهله ورواده. فالأماكن التي شهدت أفراح الناس ومناسباتهم تبقى حاضرة في الذاكرة، مهما تبدلت السنوات. 
وفي كل اهزوجة من اهازيج الحفل كنت أشعر أن المكان أكبر من جدرانه؛ فهو ذاكرة مشتركة لأجيال تعاقبت عليه، وموطن لقصص لا تنتهي. 
ويبقى الأمل أن تتواصل هذه المبادرة الجميلة في الأعوام القادمة، وأن تحظى بموافقة الجهات المعنية لإقامة الاحتفال داخل ساحة الحصن نفسها، حيث وُلدت الحكايات وتشكلت الذكريات. فالمكان حين يحتضن أبناءه من جديد يمنح المناسبة روحًا مختلفة، ويجعل الماضي أقرب إلى الحاضر. 
ولعل من أجمل ما يمكن أن يُهدى لهذا الحصن أن تصبح ذكراه مناسبة سنوية يجتمع فيها أبناؤه ومحبو تاريخه، يستعيدون ما تركه من أثر في النفوس، ويعرفون الأجيال الجديدة بقيمته ومكانته في ذاكرة المكان والإنسان.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني