حين يصبح النجاح تهمة

النجاح مطلب يسعى إليه الجميع وغاية جميلة يحلم الإنسان بالوصول إليها، فهو ثمرة تعب طويل وجهد متواصل وصبر قد يمتد لسنوات، وما أجمل اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه وصل إلى هدف طالما سعى إليه، وأن ما بذله من وقت وطاقة لم يذهب سدى، فالنجاح يبهج القلب، ويسعد الروح، ويمنح الإنسان شعورًا بالرضا والثقة، ويدفعه إلى مواصلة الطريق نحو أهداف أكبر وأجمل، ومن طبيعة الإنسان الذي يحمل قلبًا محبًا للخير أن يتمنى النجاح للآخرين كما يتمناه لنفسه، فالإنسان النقي يفرح عندما يرى شخصًا يحقق حلمه، ويسعد عندما يشاهد ثمرة تعب إنسان آخر، ويبارك له إنجازه دون أن يشعر أن نجاحه ينتقص من مكانته أو يأخذ شيئًا من نصيبه، فالأرزاق بيد الله، والطرق التي يسلكها الناس مختلفة، ولكل إنسان نصيبه الذي كتبه الله له.

ومع ذلك أصبح من المؤسف في زماننا أن نرى للنجاح أعداء، وللتميز والإبداع من يتمنى لهما التوقف قبل اكتمالهما، فهناك من لا يستطيع أن يرى فرحة إنسان بنجاحه دون أن يحاول تعكيرها، ومن يواجه الإنجاز بكلمة تقلل من قيمته أو تعليق يحمل سخرية أو نظرة تخفي وراءها حسدًا وضيقًا، والأشد إيلامًا أن يصل الأمر أحيانًا إلى محاولة إيقاف الناجح أو إحباطه بكل وسيلة ممكنة، وكأن نجاح الآخرين يمثل خطرًا على حياة من حولهم، وهناك صور كثيرة لهذا السلوك في حياتنا اليومية؛ فهناك موظف يخشى أن يأتي متطوع فيأخذ مكانه رغم لا صلة بين هذا وذاك، وآخر يخاف أن يحل شخص غيره على كرسيه في فريق أو لجنة، وكأن ذلك الكرسي إرثٌ خاص به لا يحق لأحد الاقتراب منه، فيحارب من أجله بكل ما يستطيع، وهناك من يخشى أن يبدع الآخرون أكثر منه، فيحاول التقليل من شأنهم وإظهارهم بمستوى أدنى، بدلًا من أن يرى في تميزهم فرصة للتعلم والتطور، ومنهم من يرى نفسه قائدًا لكل المفكرين والعباقرة، فلا يقبل رأيًا يتجاوز رأيه أو يختلف عنه، وكأن امتلاك الرأي الصحيح حكر عليه وحده، وآخر يستغل طيبتك للصعود على كتفك، ويرى الآخرين بعين طبعه هذا، فيحذّر الناس من الاقتراب من ذلك الذي يعطي ويخدم مجتمعه، وآخر يقصدك لغاية فإذا انتهت غايته ومصلحته، رماك بشين الكلام، ووصمك بالقيل والقال.

هذه نماذج من عالم يعج بسلوكيات تحطم النجاح والآمال والطموحات على صخور الغيرة والحقد والحسد؛ فقط لأن أصحابها لا يريدون لأحد أن يتقدم عليهم، وحين يصبح نجاح الآخرين تهديدًا، يتحول التنافس إلى صراع، وتتحول المسؤوليات إلى ملكيات شخصية، وتضيع فرص كان يمكن أن تصنع نجاحًا للجميع، وقد يصدق في هذه المواقف القول: إن لم تكن لي يدًا تساندني، فلا تكن معولًا يهدم ما بنيت، ولا يدًا تطعنني في ظهري كلما غفلت، فهناك من لا يقدم لك دعمًا، وهذا أمر يمكن تقبله، لكن المؤلم أن يتحول إلى شخص يسعى لهدم ما بنيته بجهد وتعب، أو يخطط لإفشالك كلما اقتربت من تحقيق هدفك، ومع ذلك يبقى الإيمان بالله هو مصدر القوة والطمأنينة؛ فالله يحمي عبده من كل سوء، ويكفيه شر من يمكر به أو يخطط لإسقاطه، وما دام الإنسان مخلصًا في سعيه، فإن تدبير الله خير له من كل تدبير، ولا أحد أرحم به وأقدر على حفظه من الله.

ومن الظواهر الغريبة أن الإنسان قد يحقق إنجازًا يستحق الفخر ثم يجد نفسه أمام ردود أفعال باردة بدل كلمات التشجيع، ينتظر التهنئة فيسمع عبارات تقلل من جهده، ويتوقع الدعم فيواجه بالانتقاد، ويفرح بثمرة سنوات من العمل فيجد من يحاول إقناعه بأن ما حققه أمر عادي أو إنه يسعى لغاية وأمر شخصي، وتكال عليه الإشاعات بلا خوف من الله ولا ضمير، ومع تكرار هذه المواقف قد يلجأ بعض الناجحين إلى إخفاء إنجازاتهم خوفًا من الحسد أو التعليقات السلبية، ويجب أن نعلم بأن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحنا، وتقدمهم لا يعني تأخرنا، ورزقهم لا يأخذ شيئًا من أرزاقنا، لكل إنسان طريقه وظروفه وقدراته وأهدافه، وما كتبه الله لعبد من رزق أو مكانة أو فرصة سيصل إليه في وقته، ولن يستطيع أحد أن يمنعه عنه، لذلك فإن الانشغال بمقارنة أنفسنا بالآخرين يستهلك طاقتنا، بينما الأولى أن نحول نجاحهم إلى حافز يدفعنا إلى تطوير أنفسنا والسعي نحو أهدافنا.

إن المجتمع الذي يمتلك القدرة على النمو والتقدم يفرح بإنجازات أبنائه وتفوقهم وإبداعاتهم ويكافئ كل مجد ومخلص ويمهد لهم الطريق، وبالمقابل عندما تجد في المجتمع من يحارب الناجحين بالحسد أو التقليل من جهودهم فإنه يطفئ جذوة الطموح ويضعف روح الإبداع، فكم من موهبة تراجعت بسبب كلمة جارحة، وكم من حلم تأخر بسبب شخص قدم الإحباط بدل التشجيع، فلنكن ممن يفرحون للناس، ويباركون لهم، ويدعون لهم بالزيادة والتوفيق، وما أجمل أن يصبح نجاح الآخرين مصدر إلهام لنا، فنستفيد من تجاربهم ونجعل إنجازاتهم دافعًا لمواصلة الطريق.

ويبقى النجاح ثمرة للاجتهاد والتوفيق من الله، ويبقى القلب النقي هو الذي يفرح للناس كما يفرح لنفسه، فالخير عندما ينتشر بين الناس يعود أثره على الجميع، ومن توكل على الله وأحسن السعي فلن تضره محاولات الهدم، لأن تدبير الله خير، وحفظه أعظم، وما عند الله أجمل وأبقى.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني