هل تتحول قرارات "العمل" إلى حكم إعدام للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟

في الوقت الذي تتضافر فيه الجهود الوطنية لدعم الشباب العُماني، وتوجيههم نحو ريادة الأعمال كبديل آمن للوظيفة الحكومية، تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة موجة عاتية من التحديات. لكن المفارقة الصادمة، هي أن هذه التحديات لم تعد تأتي من تقلبات السوق أو منافسة الشركات الكبرى، بل تولدت من رحم القرارات والتشريعات الصادرة عن وزارة العمل، والتي باتت تُشكل عبئًا يهدد بقاء هذه المشاريع، ويدفع الشباب مجبرين نحو خيار واحد لا ثاني له: إغلاق السجلات والعزوف التام عن التجارة.

لعل القرار الأخير لوزارة العمل بفرض حظر شامل على كافة السجلات التجارية للمستثمر في حال وجود مخالفة في أحد أنشطته، يمثل الذروة في سلسلة القرارات الطاردة للاستثمار.

من القواعد البديهية في عالم التجارة أن يلجأ رائد العمل لتنويع أنشطته (مقهى، ورشة، أو شركة خدمات) بهدف توزيع المخاطر، فإذا تعثر نشاط، سندته الأنشطة الأخرى.

لكن القرار الجديد ضرب هذا المبدأ الاقتصادي في مقتل؛ فبمجرد حدوث مخالفة بسيطة أو تعثر مالي في “نشاط واحد”، يتم فورًا حظر الرقم المدني لصاحب العمل بالكامل.

النتيجة كارثية بكل المقاييس؛ حيث تتجمَّد المعاملات، ويتوقف تجديد التراخيص في بقية المشاريع الناجحة والملتزمة لنفس المستثمر.

هذا الأسلوب لا يعاقب المُخالِف، بل يشُل الحركة التجارية للمستثمر بالكامل، ويحرمه من السيولة التي قد تنقذ مشروعه المتعثر، لينتهي به المطاف بانهيار منظومته التجارية كاملة، وتسريح المواطنين العاملين في مشاريعه الأخرى الناجحة!

لم يكن قرار الحظر الشامل هو الأول؛ بل سبقه قرار إلزامية توظيف مواطن عُماني في كل سجل تجاري يمر عليه عام.  ورغم أن الجميع يقف صفًا واحدًا مع “التعمين”، إلا أن تطبيق القرار افتقر للمرونة ومراعاة أحجام المشاريع.

كيف يمكن لمشروع منزلي، أو مقهى صغير، أو مؤسسة ناشئة يُديرها شاب بمفرده ولم تثبت أقدامها بعد في السوق، أن يتحمل كلفة توظيف مباشرة برواتب وتأمينات في سنته الأولى؟

إن فرض هذه الالتزامات المالية المبكرة تحول من أداة للتوظيف إلى ضغط مالي يعجل بنهاية طموح الشباب.

ويطرح الشارع العُماني ورواد الأعمال حزمة من التساؤلات المشروعة الموجهة إلى صناع القرار بوزارة العمل:

لماذا لا يتم معاقبة السجل التجاري المخالف بمفرده، وحظر النشاط المتعثر ذاته، بدلًا من تجميد بقية الشركات الملتزمة؟

هل الهدف من هذه القوانين هو تنظيم سوق العمل والتعمين، أم تصفية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتطفيش الكوادر الشابة من السوق؟

أين المرونة والتدرج في العقوبات قبل اللجوء إلى سلاح “الحظر بالرقم المدني” الذي يُهدِّد البيئة الاستثمارية؟

وفيما يلي نطرح حلولًا بديلة مقترحة لوزارة العمل حتى لا يتحول تنظيم سوق العمل إلى أداة تضغط على طموح الشباب، وتماشيًا مع رؤية عُمان الاقتصادية، نضع أمام صناع القرار في وزارة العمل حزمة من الحلول البديلة والعملية:

يجب إلغاء نظام الحظر الشامل بالرقم المدني، واستبداله بـ”الحظر المحدد” الذي يستهدف السجل التجاري أو النشاط المخالف والمقصر بذاته، مع ترك بقية الأنشطة الناجحة والملتزمة تعمل بحرية لضمان استمرار التدفق المالي والسيولة لصاحب العمل.

تطبيق مبدأ التنبيه أولًا، ثم الإنذار، ثم الغرامة المالية المخففة، ويكون الحظر هو الخطوة الأخيرة والنهائية فقط بعد استنفاد كل الحلول، بدلًا من إغلاق النظام الفوري الذي يشل حركة المستثمر من المخالفة الأولى.

إعفاء المؤسسات “المتناهية الصغر” والصغيرة (خاصة التي يديرها الشباب بأنفسهم) من شرط التوظيف الإلزامي في السنوات الثلاث الأولى، أو استبدال ذلك بتقديم تسهيلات وحوافز حكومية تدعم كلفة الرواتب والتأمينات في حال قيامهم بالتوظيف، بدلًا من فرضها كأمر واقع يفوق طاقة المشروع.

إنشاء لجان مشتركة بين وزارة العمل وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (ريادة)، تتدخل لدراسة وضع المشاريع المتعثرة ومساعدتها على تصحيح أوضاعها القانونية، بدلًا من اللجوء للحلول الرقمية الجافة التي تعتمد على ضغطة زر لإغلاق المنشأة.

إنَّ دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يتطلب بيئة مرنة تُقيل العاثر وتأخذ بيد المبتدئ، لا تشريعات تتربص بالخطأ لتغلق الأبواب. وتقديم هذه البدائل المرنة يثبت أننا جميعًا مع القانون وتنظيم سوق العمل، ولكن بأسلوب يحمي الاقتصاد الوطني.

ولا شك أن استمرار القرارات الحالية بجمودها لن يخدم ملف التعمين، بل سيزيد من أعداد الباحثين عن عمل بعد أن يغلق رواد الأعمال الشباب سجلاتهم مجبرين، ليتحولوا من “صنّاع فرص ومستثمرين” إلى “طالبي وظائف” في طوابير الانتظار.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني