والشعوب من كثرة البكاء يضحكون!

د. مجدي العفيفي

(1)
ما بعد الستار.. حين يسقط الزعيم وتبقى المسرحية. 
 انها لحظة سقوط الزعيم على الخشبة.. حين يكتشف الجميع أن العرض انتهى، لكن الديكور باقٍ، وأن الشعوب ما زالت في القاعة، لا تعرف هل تصفق أم تبكي.
  جُملة تختصر مأساة قرنٍ كامل:  «الشعوب من كثرة البكاء يضحكون.»
 إنها ليست جملة، بل صرخة فلسفية مكتومة .. تخرج من تحت الركام السياسي، من أعماق ذاكرة الشعوب التي تَعوَّدت الألم حتى صار الضحك وسيلتها للبقاء.
  (2) 
حين يطول القهر، يصبح الضحك آلية دفاع..
وحين يستمر العرض، يصبح الجمهور شريكًا في التمثيلية دون أن يدري..
تضحك الشعوب في المآتم، لأن كلّ ما حولها مأتم ممتد..
وتسخر من الطغاة، لأن السخرية هي آخر شكل من أشكال الوعي.
إن ضحك الشعوب ليس فرحًا، بل احتجاجًا هادئًا على واقعٍ لا يُحتمل.
ضحكهم هو دموعهم وقد جفّت..
ووعيهم وقد ضاق به الصدر فلم يجد غير النكتة ليقول الحقيقة.
(3)
كيف أن الفنان عادل إمام نفسه، في مسرحية «الزعيم» جعل الجمهور يضحك وهو يبكيهم في العمق.
الضحك هناك كان «صوت الشعب الذي خُنق«،
فلم يعد أمامه إلا السخرية ليقول «لا» دون أن يُعتقل.
 ضحك الشعوب هو آخر ما تبقّى من حريتها.
الطاغية لا يخاف السلاح، بل النكتة.
النكتة تسخر من سلطته، تنزع عنها الهالة،
تحوّله من «رمز» إلى «كوميديا»، ومن «قائد» إلى «نكتة باهتة».
  إن الشعوب حين تضحك لا تفرح، بل تُمارس فعل مقاومةٍ متقنًا:
تضحك لتبقى، تضحك لتقاوم، تضحك لتقول للعالم:  ما زلنا نفهم اللعبة، حتى لو لعبتم بنا!.
   لكن سرعان ما يكشف أنه الضحك المرّ، الضحك الوجودي، الضحك الذي لا يُنسي بل يفضح.
 ضحك بمرارة التاريخ، وسخريةً بحجم الخديعة.
(4)  
ما أعمق المفارقة، وما أفجعها!
كأن الواقع يقرأنا قبل أن نكتبه، وكأن الحكاية لا تزال تُعاد بحذافيرها .. فقط يتبدّل اسم الزعيم، بينما تبقى العبودية واحدة.
ما اكثر مثل هذه الشعارات: حكيم الأمة.. قائد العروبة.. الزعيم المؤمن..  زعيم الشرق الاوسط..  و…..و…و….
  ليست شعارًات سياسيًا بقدر ما هي نصٌّوص «لاهوتية» زائفة تخلط بين المقدس والمدنس،  وتؤسس لما  أسمّيه بلا مبالغة: «الوثنية السياسية الجديدة»
 لا يعود الحاكم بشرًا يُحاسَب، بل نصفَ إلهٍ يُسبَّح باسمه.. تُنزَع عنه حدود النقد، ويُرفع فوق المحاسبة،
ويُصبح ذكره طقسًا من طقوس الوطنية الزائفة، حتى تُمحى الحدود بين الله الذي يُعبَد والزعيم الذي يُمجَّد.
 اللغة نفسها لم تعد بريئة. 
فحين يُقال: «لله العبادة»فهي جملة حقّ، لكن حين يُلحق بها: «ولهذا الحاكم«…… »القيادة  و الزعامة » تتحوّل إلى تجديف سياسي صريح، يُسوّق للعقيدة الجديدة: «الزعيم قدرُ الأمة، لا خيارها».
 يُعيد التاريخ إنتاج أخطر ما عرفته البشرية: الفرعون الذي يقول: (ما علمت لكم من إله غيري.)
لكن بصيغة عصرية، ملفوفة في علمٍ ونشيدٍ و«هاشتاج» وسخافات لا أول لها ولا آخر.
لذلك نرى ظاهرة الفرعونية والهامانية والقارونية تكاد تشكل ثلث القرآن العظيم..
 الزعامة الزائفة دائمًا تحتاج «قداسة» من نوعٍ ما لتبرّر بقاءها.
فمرّةً تستعير لغة الدين، ومرّةً تستعير رموز الوطنية، ومرّةً تستعير عظمة التاريخ.
لكن في الجوهر، هي الوثنية ذاتها عبادة الصورة، تقديس الفرد، وتأليه السلطة.
(5) 
وحين تُقال مثل هذه الشعارات، فهي لا تعبّر عن قوة الزعيم، بل عن ضعف الأمة التي استسلمت، فصار بعض أبنائها يُقدّمون الطاعة السياسية كأنها عبادة.
 إنهم لا يقولون «لله العبادة» إيمانًا، بل يقولونها تمهيدًا لعبادة غير الله، بأن يُخصَّ الزعيم بما لا يُخصّ به بشر.
وهذا هو الانحطاط السياسي في أقصى درجاته: 
حين تُختزل الدولة في رجل، والوطن في صورة، والإيمان في تصفيق.
 إن كل حملة كهذه ليست إعلانًا دعائيًا فقط..
 بل علامة إنذار حضاري تقول: إن الشعوب دخلت مرحلة الخضوع الطوعي.
الاستبداد لم يعد يُفرض عليها بالقوة، بل صار يُحتفى به ويُغنّى له، وتُزيَّن له الواجهات والشوارع والميديا،
حتى يبدو كأنه «قدرٌ جميل» لا يُردّ.
(6) 
وهنا تتجلى المأساة : 
«الشعوب من كثرة البكاء يضحكون.»
لأنهم حين يُصفّقون لتلك الشعارات، إنما يصفّقون لأنفسهم من فرط ما قُهِروا حتى نسوا شكل الحرية!

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    تأهل فوزي الحبيشي إلى نهائي دفع الجلة بمنافسات "آسياد ناغويا"

    تمكن لاعب المنتخب الوطني لألعاب القوى البارالمبي فوزي الحبيشي من التأهل إلى نهائي مسابقة دفع الجلة ضمن التصنيف F54، في دورة الألعاب الآسيوية البارالمبية آيتشي–ناغويا 2026، على أن يبدأ باقي…

    "التعليم" تختتم فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت

    اختتمت وزارة التعليم ممثلة في المديرية العامة للكشافة والمرشدات والأنشطة الطلابية فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت (JOTA-JOTI 2026)، تحت شعار «عالم يسوده السلام والشمول» وبمشاركة كشافة ومرشدات من…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    تأهل فوزي الحبيشي إلى نهائي دفع الجلة بمنافسات "آسياد ناغويا"

    تأهل فوزي الحبيشي إلى نهائي دفع الجلة بمنافسات "آسياد ناغويا"

    "تعليمية البريمي" تحتفي بـ"يوم المرأة العمانية"

    "تعليمية البريمي" تحتفي بـ"يوم المرأة العمانية"

    "التعليم" تختتم فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت

    "التعليم" تختتم فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت

    جامعة السلطان قابوس تستضيف فعالية للتعريف باللغة والثقافة الإيطالية

    جامعة السلطان قابوس تستضيف فعالية للتعريف باللغة والثقافة الإيطالية

    مع بدء موسم الصيد.. زيادة تدريجية في ثروة الشارخة بالأسواق

    مع بدء موسم الصيد.. زيادة تدريجية في ثروة الشارخة بالأسواق

    تكريم الفائزين في ختام البطولة الرياضية لطلبة "جامعة التقنية"

    تكريم الفائزين في ختام البطولة الرياضية لطلبة "جامعة التقنية"