لِلْفشل طاقة مُعَطّلة (3)

“كينونة النّفس ليست قاسية”
الكاتب: حمد الناصري

إنّ الجمود الذي يُصيب إرادة الإنسان إثر الخيبات ليس نابعاً من جوهر نفسه، بل هو غِلاف غريب يكسو فطرتها اللينة؛ فالنفس الإنسانية في أصل خَلقها وتكوينها كائن غض، رقيق المَنزع، جُبل على الحركة والانفتاح، والروح في صفائها الأول ومضة نقية لا تعرف القسوة. وحين يصدم العجز طموح الفرد، فإن هذا التصَلّب والقسوة اللذين يظهران عليه ما هما إلا “درع دفاعي” تتخذه النفس لحماية انكسارها، فيتحَوّل هذا الدرع بفعل الاستسلام إلى جدار سميك يحبس طاقتها ويُحاصر وعيها الإيجابي.

وهذا التأصيل الوجودي نجد مُستنده الأعلى في المُحكم القرآني العظيم؛ حيث جاء في النص الإلهي صفاء الفطرة ونقاء الكينونة الأولى في قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} (سورة الروم: 30). فالخلق الأول ناصع، مُبَرأ من القسوة والتعطيل، وحين يُصاب الإنسان بالإحباط والخيبات، تسكن حركته اللطيفة وتُجَمّد طاقته، فيتحول إلى حالة من “الركود الحِسي” حيث تتراكم عليه شوائب التشاؤم وتطْمُر وعيه وبهذا نقول : أنّ الركود ليس إرادة ولا خلقُ تكويني إنما هو حالة طارئة يُصاب بها الانسان حين تتجمّد طاقته الحسية الفاعلة ومَنشطه النفسي ، ولذلك حين وصف الله تبارك وتعالى قسوة القلوب، شبّهها بأشد الجمادات صَلابة لبيان خروجها عن طبيعتها اللطيفة، فقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (سورة البقرة: 74)؛ وفي هذا إشارة بليغة إلى أنّ القسوة والتصَلّب هما تبَدّل وانحراف حِسي يُصيب النفس الهشّة فيُحَوّلها إلى جماد يُعطل الوعي ولا يكون له قوة التأثير. 

وفي الفلسفة العربية الرصينة، انتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في طوس عام 1105م، عبر أطروحته النفسية الكبرى “إحياء علوم الدين”، وتحديداً في كتاب شرح عجائب القلب، إلى هذه الكينونة اللطيفة وقال: “إن القلب في أصل فطرته قابل للحق والخير، وصافٍ كالمُرآة، وإنما تظلم هذه المرآة وتصقلها قسوة العوارض والذنوب والبيئة المحبطة”. فالغزالي يُثبت أنّ التعطيل والقسوة هُما صَدأ خارجي يُغَلّف النفس النّقِية، ويصقله وبمجرّد إزالة عُتمتها، تعود الروح إلى نشاطها وإلى حركتها الفاعلة.

خُلاصة القول: إن فهم كينونة النفس النّقِية يمنحنا المفتاح الحقيقي لتحرير طاقة الإنسان المُعطلة؛ فالإنسان يُدرك أنّ القسوة والعجز ليسا قدراً لازماً في جيناته، بل هما قدرٌ طارئٌ، وإنْ هبّ عازماً ليهدم هذه الطاقة النقية المُهملة والمُعَطّلة في كينونته النفسية، لن يستعيد مفتاح الطاقة لتحرير ما تعطّلت ما لم يَسْعَ بجدية ومُثابرة لبث الأمل الكامن في داخله.

* هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: “للفشل طاقة مُعَطّلة”.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    للفشل طاقة مُعَطّلة (9)

    “الوعي النقي، تفكيك لسيكولوجية العجز الجمعي” الكاتب: حمد الناصري ثِمّة لحظة تاريخية ونفسية فارقة، يتحَوّل فيها الخوف الفردي من مجرد توجس عابر في عقل الإنسان، ليصبح “عدوى نفسية” تتلقفها الجماعة؛…

    مباحثات إيرانية باكستانية لخفض التصعيد واستئناف مسار التفاوض مع واشنطن

    أفادت وكالة رويترز، نقلًا عن مصدر باكستاني، بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بحثا سبل استعادة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة،…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    مباحثات إيرانية باكستانية لخفض التصعيد واستئناف مسار التفاوض مع واشنطن

    مباحثات إيرانية باكستانية لخفض التصعيد واستئناف مسار التفاوض مع واشنطن

    للفشل طاقة مُعَطّلة (9)

    للفشل طاقة مُعَطّلة (9)

    الشاعر الجواهري… نهر العراق الثالث

    الشاعر الجواهري… نهر العراق الثالث

    سعر نفط عُمان يواصل الصعود ويتجاوز 121 دولارًا

    سعر نفط عُمان يواصل الصعود ويتجاوز 121 دولارًا

    ماذا بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب؟

    ماذا بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب؟

    غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان.. نحو إنتخابات أكثر شفافية

    غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان.. نحو إنتخابات أكثر شفافية