«تيتانيك العرب» والسفينة تغرق بنا جميعًا (الصرخة الثانية)

 صرخة من قلب السفينة”.. ها نحن، أيها الناس، في قلب المحيط، على ظهر سفينة اسمها العرب… سفينة صدئة يقودها قبطان أعمى يظن نفسه ربّان الكون، وركّاب مذهولون، بعضهم يرقص في الصالونات المخملية، وبعضهم يختنق في غرف الدرجة الثالثة، والجميع يصدّق أن السفينة “آمنة”، وأن ما نسمعه من صوت الماء المتسلّل ليس سوى “وشوشة مؤامرات”.

لكن الحقيقة العارية، الصارخة بلا رحمة، تقول إننا نغرق.

نغرق في غيبوبة جماعية صنعتها أنظمة استبدادية، وثقافة وهن وضعف، وقوى عظمى تلاعبت بنا كما يُلاعب طفل بقطعة خشب في ماء آسن.

نغرق ونحن نصفّق للجلادين، ونعبد أصنام التفاهة، ونلعن كل صوت يحذّر من الكارثة المقبلة.

ومثلما ظن ركاب تيتانيك أن الأمان الأبدي يسكن جدران الحديد السميكة، نظن نحن أن مقاعدنا في قاع السفينة أو في قاعاتها الفاخرة ستحمينا من الطوفان. ننسى – أو نتناسى – أن البحر لا يرحم، وأن الجبل الجليدي لا يميّز بين غني وفقير، بين حاكم ومحكوم، بين خائن وصامت.

هذه صرخة تحذير: إما أن نصحو من الغيبوبة، أو نموت جميعًا في صمت مخزٍ، بينما يكتب التاريخ أننا كنّا جيل الغرق البطيء.

فلنُسقط أقنعة الغرور العربي الذي أعمانا، وسنمزّق ستار الأكاذيب الذي صنعته القوى الكبرى، وسنصرخ – بأعلى ما نملك من صوت – أن النجاة ليست معجزة سماوية، بل فعل مقاومة يبدأ من العقل وينتهي إلى الشارع.

هذا الطرح ليس نعياً، بل جرس إنذار.. جرس يقول لكل عربي، ولكل إنسان على ظهر هذا الكوكب:

إما أن نمسك بزمام السفينة الآن، أو ننتظر جميعًا أن يبتلعنا المحيط في لحظة صمت مرعبة.

غرق «تيتانيك» كان صرخة ضد الغرور. غرور ظن أن الحديد والتقنية أقوى من البحر.

وغرقنا العربي اليوم هو صرخة ضد غرور أشد فجاجة:

مجتمعات تُخدَّر بخطاب زائف عن الوطنية والإنجازات، بينما الواقع يتآكل.

نحن في منطقة لم تتعلم بعد أن السفينة لا تفرّق بين راكب في الدرجة الأولى وراكب في قاعها؛ حين يغمر الماء الطوابق السفلية، فلن ينجو أحد.

الخبراء يصرخون: التعليم يحتضر، الاقتصاد يتهاوى، الشباب يغرق في البطالة أو يهرب عبر قوارب الموت، والفساد ينهش كل مفصل من مفاصل الدولة.

لكن الأصوات تُكمم، والنصائح تُسخر منها، والأمل يُقتل كل يوم.

تمامًا كما فعل قادة تيتانيك حين تجاهلوا التحذيرات من الجبال الجليدية، يصرّ قادتنا اليوم على أن الأمور “تحت السيطرة”، وأن الغرق مجرّد وهم في عقول “المُحبِطِين”.

المأساة الكبرى ليست في السفينة التي تتهاوى، بل في الغيبوبة التي تسيطر علينا جميعًا:

وسائل إعلام تبيع الوهم، وتُقنعنا أن الماء المتسرب إلى غرفنا ليس سوى “تكتيك مرحلي”.

لن ينقذنا أحد. لا الغرب ولا الشرق ولا التكنولوجيا ولا النفط.

النجاة الوحيدة تكمن في صحوة وعي قاسية، وتمرّد على الغيبوبة القاتلة:

أن ندرك أن الأوطان ليست كراسي، بل حياة وكرامة وأجيال.

أن نعيد الكلمة إلى الشعوب لا إلى الدمى التي نصّبناها حكّامًا.

أن نتوقف عن لعب دور “الركاب الطيبين” الذين ينتظرون دورهم في الموت.

إذا لم نصحُ الآن، فلن يتبقى بعد سنوات سوى حطام سفينة، وبعض الأغاني البلهاء التي سنغنّيها بينما البحر يبتلعنا جميعًا.

وللصرخة تجليات وتداعيات.. إن كان في العمر بقية.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    علي المزروعي وسياسة اللغة.. من يملك اللغة يملك التاريخ

    المُفكّر علي بن الأمين المزروعي أفريقي من أصل عربي، وُلد في مدينة مومباسا الكينية سنة 1933. تعود أصول عائلته إلى سلطنة عُمان؛ حيث نزح أفراد هذه الأسرة في مطلع القرن…

    لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟

    من أكثر الظواهر التي تستحق التأمل في واقعنا المعاصر ظاهرة الفجوة بين ما نقوله وما نمارسه فنحن نتحدث كثيرًا عن الخير، والإحسان، والرحمة، والتسامح، والأمانة، والعدل، وحسن التعامل، ونقرأ في…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟

    لماذا نتحدث عن الفضيلة ولا نمارسها؟

    علي المزروعي وسياسة اللغة.. من يملك اللغة يملك التاريخ

    علي المزروعي وسياسة اللغة.. من يملك اللغة يملك التاريخ

    10 ملايين ريال لتطبيق منظومة الترقية الجديدة للموظفين العُمانيين المدنيين

    10 ملايين ريال لتطبيق منظومة الترقية الجديدة للموظفين العُمانيين المدنيين

    محافظة الداخلية تتوج الفائزين بمسابقة "سور" للأمن السيبراني

    محافظة الداخلية تتوج الفائزين بمسابقة "سور" للأمن السيبراني

    البطولة لحظة.. والاستمرار منظومة

    البطولة لحظة.. والاستمرار منظومة

    «تيتانيك العرب» والسفينة تغرق بنا جميعًا (الصرخة الثانية)

    «تيتانيك العرب» والسفينة تغرق بنا جميعًا (الصرخة الثانية)