كان بصيرًا.. وكانوا هم الذين لا يبصرون

قد ترى العينُ الصورة كاملة، ثم تخطئ الحقيقة كلها؛ فالعين تلتقط الملامح، لكنها لا تبلغ الجوهر دائمًا؛ ترى الثوب ولا ترى صاحبه، وتقرأ الهيئة ولا تقرأ ما وراءها. وربما كان أكثر ما يظلم الإنسان أن نمنحه حكمًا قبل أن نمنحه فرصةً ليقول من يكون.

تُروى حكايةٌ عن لقاء أدبي احتضنته مدينة الموصل في العراق عام 1971، اجتمع فيه عدد من كبار الأدباء والشعراء العرب، وكان بينهم الشاعر السوري نزار قباني. وفي ذلك اللقاء تقدم الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني إلى المنصة؛ ضريرًا، بسيط الهيئة، تقوده خطواته يدٌ أخرى.

كان المشهد كافيًا، لمن اعتادوا الحكم من ظاهر الأشياء، ليصنعوا انطباعهم الأول: شاعر ضرير، بثياب بسيطة، يقف في حضرة عمالقة الأدب… فماذا عساه أن يقول؟

وحين فتح البردوني باب القصيدة، تراجع المظهر إلى الخلف، وتقدمت الكلمة.

لم يكن يرصف الكلمات ليملأ القاعة؛ كان يفتح نافذةً على حقيقة أوسع: أن القوة بلا فهم قد تتحول إلى بطش، وأن العلم إذا انفصل عن الأخلاق قد يصبح أداةً للظلم، وأن الإنسان قد يرى كثيرًا ثم يعجز عن رؤية ما يستحق أن يُرى.

وهنا يصبح البردوني نفسه جزءًا من المعنى: رجلٌ فقد البصر، لكنه امتلك البصيرة.

وربما كانت المفارقة أن بعض العيون التي تأملت ثيابه وهيئته لم ترَ فيه ما يستحق الإصغاء، بينما كان هو يرى في قصيدته ما يتجاوز المكان واللحظة والمظهر.

حكمنا على إنسان من ثوبه، وعلى آخر من صمته، وعلى ثالث من لهجته أو ملامحه أو مكانته. رفعنا بعض الناس لأن الصورة كانت براقة، واستخففنا بآخرين لأنهم لم يأتوا في القالب الذي ألفناه، نحن لا نخطئ في الحكم على الناس لأننا لا نراهم؛ بل لأننا نراهم بسرعة أكبر مما ينبغي؛ فالمظهر يخبرك كيف يبدو الإنسان، لكنه لا يخبرك بالضرورة من يكون.

والبصيرة ليست أن ترى ما أمامك، بل أن تنفذ إلى ما وراءه؛ أن تؤجل الحكم حتى تعرف، وأن تسمع قبل أن تصنّف، وأن تترك للإنسان فرصة أن يكشف عن نفسه بالموقف والكلمة والفعل. فالناس لا تبقى منهم ثيابهم، ولا ألقابهم، ولا الصور التي حرصوا على رسمها لأنفسهم. يبقى أثرهم؛ ما صنعوه في الآخرين، وما قالوه حين تكلموا، وما فعلوه حين اختُبروا.

ولعل أبلغ ما نتعلمه من البردوني أن فقدان البصر لا يعني فقدان البصيرة، وأن كثرة النظر لا تعني بالضرورة حسن البصر.

فليس كل من نظر أبصر، وليس كل من أغمض عينيه غاب عنه الحق؛ فالحقيقة كثيرًا ما تبدأ حيث ينتهي النظر.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    تأهل فوزي الحبيشي إلى نهائي دفع الجلة بمنافسات "آسياد ناغويا"

    تمكن لاعب المنتخب الوطني لألعاب القوى البارالمبي فوزي الحبيشي من التأهل إلى نهائي مسابقة دفع الجلة ضمن التصنيف F54، في دورة الألعاب الآسيوية البارالمبية آيتشي–ناغويا 2026، على أن يبدأ باقي…

    "التعليم" تختتم فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت

    اختتمت وزارة التعليم ممثلة في المديرية العامة للكشافة والمرشدات والأنشطة الطلابية فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت (JOTA-JOTI 2026)، تحت شعار «عالم يسوده السلام والشمول» وبمشاركة كشافة ومرشدات من…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    تأهل فوزي الحبيشي إلى نهائي دفع الجلة بمنافسات "آسياد ناغويا"

    تأهل فوزي الحبيشي إلى نهائي دفع الجلة بمنافسات "آسياد ناغويا"

    "تعليمية البريمي" تحتفي بـ"يوم المرأة العمانية"

    "تعليمية البريمي" تحتفي بـ"يوم المرأة العمانية"

    "التعليم" تختتم فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت

    "التعليم" تختتم فعاليات المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت

    جامعة السلطان قابوس تستضيف فعالية للتعريف باللغة والثقافة الإيطالية

    جامعة السلطان قابوس تستضيف فعالية للتعريف باللغة والثقافة الإيطالية

    مع بدء موسم الصيد.. زيادة تدريجية في ثروة الشارخة بالأسواق

    مع بدء موسم الصيد.. زيادة تدريجية في ثروة الشارخة بالأسواق

    تكريم الفائزين في ختام البطولة الرياضية لطلبة "جامعة التقنية"

    تكريم الفائزين في ختام البطولة الرياضية لطلبة "جامعة التقنية"