ردًا على مقال الكاتب كمال اللواتي

بدايةً، أشكر الأخ كمال بن حسن بن علي اللواتي على تفاعله مع مقالي السابق (من شيعة لبنان إلى من يهمه الأمر )، وعلى أسلوبه المهذب الراقي الذي يعكس حرصًا محمودًا على قضايا الأُمَّة (في مقاله سويسرا الشرق أم قلعة المقاومة؟ قراءة في “ثنائيات الشعلة”)، وهو ما أُقدّرهُ وأحترمه. غير أن ما طرحه يُعبِّر، في جوهره، عن قراءة تختلف جذريًا مع ما أراه وأعتقده، ليس فقط في التفاصيل؛ بل في المنطلقات أيضًا.

المسألة لا تتعلق بمجرد توصيف لغوي للصراعات، كما في استخدام تعبير “العدوان” بدلًا من “الحرب”، بل تتعلق برؤية أوسع لطبيعة الصراع نفسه، وتعقيداته، وتشابكاته الإقليمية والدولية. اختزال المشهد في ثنائية “مُعتدٍ ومُعتدَى عليه” قد يُعبِّر عن موقف عاطفي مشروع، لكنه لا يكفي لفهم واقع باتت فيه الدول والمجتمعات تدفع أثمانًا باهظة نتيجة تعدد اللاعبين وتداخل الأجندات.

أما فيما يتعلق بما يسمى “المقاومة”، فإن التجارب القريبة منا، قبل البعيدة، أثبتت أن السلاح الخارج عن إطار الدولة، مهما كانت شعاراته، ينتهي في كثير من الأحيان إلى إضعاف الدولة نفسها، وتقويض مؤسساتها، وجرّ المجتمعات إلى صراعات مفتوحة لا تنتهي.

ولا أظن أن ما آل إليه حال أكثر من بلد عربي يحتاج إلى مزيد من الشرح.

وفي الشأن الخليجي، فإن الطرح الذي يربط بين وجود القواعد الأجنبية وبين التوترات الإقليمية يتجاهل حقيقة أن هذه الدول تواجه تهديدات قائمة ومباشرة، وليست افتراضية. وبالتالي فإن خياراتها الأمنية لا تُبنى على ترف نظري؛ بل على حسابات واقعية معقدة، قد لا تكون مثالية، لكنها- في نظر صانع القرار- الأقل كُلفة بين خيارات كلها صعبة.

أما الاستشهاد بتجربة سلطنة عُمان الشقيقة فهو استشهاد في غير محلّه إذا ما أُريد تعميمه؛ فلكل دولة ظروفها الجيوسياسية، وتاريخها، وطبيعة موقعها في شبكة الصراعات الإقليمية، ولا يمكن افتراض أن نموذجًا واحدًا يصلح للجميع.

وفي ما يخُص تسييس الدين، فأنا لا أختلف مع الكاتب في أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على طرف دون آخر، وقد أشرتُ إلى ذلك في مقالي. غير أن الإقرار بعمومية الظاهرة لا يُبرِّر توظيفها، ولا يُخفِّف من خطورتها حين تتحول إلى أداة تعبئة وصراع داخل المجتمعات، أو إلى غطاء لمشاريع تتجاوز حدود الدولة الوطنية.

في نهاية المطاف، قد نلتقي في الأهداف الكبرى، لكن الاختلاف الحقيقي يكمن في الوسائل: هل نبني أوطاننا على قاعدة الدولة الجامعة ومؤسساتها، أم نتركها رهينة لمشاريع عابرة للحدود، مهما كانت شعاراتها براقة؟

ذلك هو جوهر الخلاف، وهو خلاف أراه مشروعًا؛ بل وضروريًا، ما دام يُدار بلغة الحوار، لا بمنطق الاصطفاف.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    وقعت سلطنةُ عُمان والمملكة المُتحدة على مذكرتيْ تفاهم بشأن الشراكة السيادية للتعاون وتشجيع الاستثمار، والتعاون الاستراتيجي في مجال البنية الأساسية الرقمية في إطار زيارة “دولةٍ” يقوم بها جلالةُ السلطان المعظم-…

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    في تعاون ثقافي مثمر بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، انطلقت، أمس الأربعاء، فعاليات أسبوع الفيلم الصيني في سلطنة عُمان، بتنظيم من سفارة جمهورية الصين الشعبية في سلطنة عُمان، وبالتعاون…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    سلطنة عُمان والمملكة المُتحدة توقعان على مذكرتيْ تفاهم للتعاون الاستثماري والاستراتيجي

    الحراصي يستعرض استعدادات معرض مسقط الدولي للكتاب.. والانطلاق 24 مارس

    الحراصي يستعرض استعدادات معرض مسقط الدولي للكتاب.. والانطلاق 24 مارس

    انطلاق ندوة "جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العماني".. الإثنين

    انطلاق ندوة "جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العماني".. الإثنين

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    عروض سينمائية متنوعة ضمن "أسبوع الفيلم الصيني" بمسقط

    الإثنين.. تكريم الفائزين في مسابقة "الإجادة الإعلامية"

    الإثنين.. تكريم الفائزين في مسابقة "الإجادة الإعلامية"

    تعاون بين "حقوق الإنسان" و"اتحاد العمال" لصون الحقوق العمالية

    تعاون بين "حقوق الإنسان" و"اتحاد العمال" لصون الحقوق العمالية