"ضربني وبكى.. سبقني واشتكى": قراءة في سريالية الحرب الحالية

سالم البادي(أبومعن)

في الموروث الشعبي، يُلخص مثل “ضربني وبكى، وسبقني واشتكى” حالة التزييف الفج للواقع، حيث يرتدي المعتدي ثوب الضحية ليحرم صاحب الحق حتى من حق الأنين. 
اليوم، لا يبدو هذا المثل مجرد حكمة غابرة، بل هو “المانشيت” الأنسب لوصف المشهد المتفجر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

تبدأ القصة دائماً من كواليس “الدبلوماسية”. فبينما كانت الطاولات الدولية تشهد حديثاً عن التهدئة والاتفاقات، كانت يد واشنطن وتل أبيب تعملان في الميدان بأسلوب “الغدر الاستباقي”. 
تم استهداف المنشآت الإيرانية وخرق سيادتها في ذروة أوقات التفاوض، وتم اغتيال رموزها وقياداتها المدنيه والعسكريه في محاولة لفرض واقع عسكري يكسر إرادة المفاوض. 
هنا، كان “الضرب” مبادرة من طرف يملك القوة ويفتقد للرغبة في السلام العادل.

عندما قررت طهران ممارسة حقها الطبيعي الذي تكفله القوانين الدولية في الدفاع عن النفس، تغيرت النغمة تماماً. بمجرد أن انطلق الرد الإيراني، تحول المعتدي فجأة إلى “ضحية” مستهدفة. هنا تجلى الجزء الثاني من المثل: “سبقني واشتكى”؛ حيث سارعت واشنطن لفتح دفاتر المظلومية، معتبرة رد الفعل “عدواناً غير مبرر”، متجاهلة تماماً أنها هي من قذفت الحجر الأول.

تكتمل فصول المسرحية في أروقة المنظمات الدولية. فالمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة تمنح الدول حق الدفاع عن النفس، لكننا نشهد اليوم “انتقائية فجة”؛ فاعتداءات القوى الكبرى تُسمى “ضربات وقائية”، أما رد المعتدى عليه فيُكيف قانونياً على أنه “تهديد للسلم”. 
لقد تحولت هذه المنظمات إلى منصات للشكوى الاستباقية، تُصدر الإدانات ضد من يدافع عن سيادته، وتغض الطرف عمن بدأ بالعدوان.

إن سياسة “الضرب والشكوى” تعكس خللاً بنيوياً في الأخلاق الدولية. 
ومشهد “الضرب والشكوى” يكشف أن القانون الدولي بات يعاني من حالة “موت سريري” أمام موازين القوى. 
فالعدالة لا تتحقق حين يملك المعتدي حق “النقض” (الفيتو) وحق “الرواية” وحق “الإدانة”، بينما لا يملك المعتدى عليه سوى حق “الصمود” وسط غابة دولية لا تعترف إلا بمن يصرخ أولاً ويشتكي بصوت أعلى.
المشكلة ليست في من ضرب أولاً فحسب، بل في نظام عالمي يسمح للمعتدي بأن يسرق “دور الضحية” بدم بارد، ويجند العالم لإدانة من أبى الانكسار. 
إن الشكوى التي تسبق الحق قد تضلل الرأي العام حيناً، لكنها أبداً لا تغير الحقيقة الساطعة على الأرض.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني