معادلة الرد الإيراني.. بين الاستراتيجية وحسابات البنية التحتية

​في ظل التوترات المتصاعدة، يبرز تساؤل جوهري: هل تستطيع إيران الرد على أي استهداف لمنشآت الطاقة (النفط والغاز) على أراضيها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؟ الإجابة التقنية هي “نعم” قاطعة، لكن السؤال الأهم هو: هل ستفعل ذلك؟ للإجابة، يجب تفكيك الموقف من زاويتين:

​تنظر طهران إلى استهداف بنيتها التحتية كمسألة “أمن قومي” وجودي. تنفيذ التهديد بالرد هنا لا يعد مجرد انتقام، بل هو ضرورة لما يلي:

– إثبات المصداقية: تأكيد جدية التهديدات الإيرانية أمام الرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي.

– ​شق صف التحالفات: الضغط على دول المنطقة وحلفاء واشنطن ودولة الكيان الإسرائيلي لإدراك أن الانخراط في أي عمل عدائي سيؤدي إلى انزلاق الجميع في حرب شاملة، تبدأ بإيران ولا تنتهي إلا بجر دول وحركات أخرى للمواجهة.

– ​فرض الردع: إيصال رسالة بأن كلفة استهداف الطاقة الإيرانية ستعادلها كلفة باهظة في مصالح الطرف الآخر.

ثانيًا: البعد الأخلاقي والإنساني (الرد المنضبط)

​تميل الرؤية التحليلية هنا إلى أن الرد الإيراني قد يكون “محدودًا ومدروسًا”؛ بحيث يستهدف أجزاءً من البنية التحتية للطاقة للطرف الآخر دون تدميرها كليًا. الهدف من ذلك هو خلق ضغط سياسي واقتصادي يدفع تلك الأطراف للتخلي عن مظلة الحماية الأمريكية المطلقة لدول المنطقة، والابتعاد عن أي عمل يوسع نطاق المواجهة بشكل دراماتيكي يضر بالشعوب. وأما فيما يتعلق بالكيان الإسرائيلي فلتحقيق عدة أهداف إستراتيجية يسعى إليها منذ نشأته من ناحية ومنذ إندلاع المواجهة المباشرة مع إيران، من خلال تحطيم أهداف الكيان واحدة تلو الأخرى تمهيدا لإعادة عزلته سياسيًا واقتصاديًا في المنطقة وصولا للشعارات المعلنة التي صبغت الثورة الإسلامية الإيرانية منذ نشأتها فيما يخص القضية الفلسطينية.

​ثمة عقبات تحول دون الحسم السريع، أبرزها “ارتهان القرار السياسي” نتيجة السياسات العربية-الأمريكية التي تراكمت منذ عام 1973، والتي بُنيت على فرضية أن التحالف مع واشنطن هو صمام أمان للرخاء والتنمية؛ وهي الفرضية التي باتت اليوم تحت مجهر التهديد الحقيقي.

​من جهة أخرى، لا تزال “النزعة العقائدية” تحكم السلوك العسكري الإيراني، وهو ما يفسر تركيز هجماتها المعلنة على المواقع العسكرية والأمنية في الأراضي المحتلة، محاولةً تجنب البنى المدنية أو إلحاق ضرر يسير فيها، في مفارقة واضحة لما تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل من استهداف مباشر للبنى المدنية رغم النفي المستمر.

ختامًا.. ​لقد آن الأوان للدول العربية والخليجية تبني نهج سياسي جديد يتسم بالاستقلالية، خاصة بعدما تكشفت هشاشة التحالفات الحالية. ولعل في التاريخ عبرة؛ فالموقف الحالي يعيد للأذهان مرارة “المفاجآت السيادية”، كما حدث مع شاه إيران الذي اكتشف في لحظة فارقة أن طائراته الحربية كانت تُستخدم في “حرب فيتنام” بقرار أمريكي ودون علمه أو إذنه، مما جسّد ذروة الارتهان للخارج.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    للفشل طاقة مُعَطّلة (9)

    “الوعي النقي، تفكيك لسيكولوجية العجز الجمعي” الكاتب: حمد الناصري ثِمّة لحظة تاريخية ونفسية فارقة، يتحَوّل فيها الخوف الفردي من مجرد توجس عابر في عقل الإنسان، ليصبح “عدوى نفسية” تتلقفها الجماعة؛…

    مباحثات إيرانية باكستانية لخفض التصعيد واستئناف مسار التفاوض مع واشنطن

    أفادت وكالة رويترز، نقلًا عن مصدر باكستاني، بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بحثا سبل استعادة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة،…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    مباحثات إيرانية باكستانية لخفض التصعيد واستئناف مسار التفاوض مع واشنطن

    مباحثات إيرانية باكستانية لخفض التصعيد واستئناف مسار التفاوض مع واشنطن

    للفشل طاقة مُعَطّلة (9)

    للفشل طاقة مُعَطّلة (9)

    الشاعر الجواهري… نهر العراق الثالث

    الشاعر الجواهري… نهر العراق الثالث

    سعر نفط عُمان يواصل الصعود ويتجاوز 121 دولارًا

    سعر نفط عُمان يواصل الصعود ويتجاوز 121 دولارًا

    ماذا بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب؟

    ماذا بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب؟

    غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان.. نحو إنتخابات أكثر شفافية

    غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان.. نحو إنتخابات أكثر شفافية