عُمان ميزان الاتزان

الأعمى لا يدرك النور فيفقد القدرة على رؤية جمال العالم من حوله، تمر أمامه التفاصيل المضيئة دون أن يلتقطها؛ لا يرى سحر الوردة التي يحملها بيده بعد أن اقتطفها من شجرة سخية منحتها عبيرها وألوانها، هكذا تغيب الحقيقة عنه، ولو أردنا تقريب الفكرة، رغم الفارق الكبير، فكيف لمن يتعلم الحروف الأولى أن ينتقد من علّمه القراءة والكتابة؟ وكيف لمن بدأ حياته حديثًا أن يقارن نفسه بحضارة ضاربة في عمق التاريخ، ممتدة الجذور، عالية المكانة؟

هذا المشهد يتكرر مع بعض من يرددون عبارات جارحة أو مواقف سطحية تجاه عُمان، هؤلاء يغيب عنهم فهم ما تقوم به، ولا يستوعبون دورها الحقيقي، عُمان ليست تجربة عابرة في الزمن، ولا كيانًا حديث النشأة، إنما حضارة تمتد لآلاف السنين، عرفت البحر، وخاضت أمواجه، وقدّمت التضحيات، وشيدت تاريخًا قائمًا على الحكمة والمعرفة.

تمضي عُمان بثقة تحت قيادة واعية تعرف اتجاهها وترسم مستقبلها برؤية واضحة، فمن يعيش وسط الضجيج والاضطراب يصعب عليه إدراك هذه المعاني العميقة، هناك من يكرر ما يُلقَّن له كصدى بلا وعي، ويظن أن عُمان تسير بالطريقة ذاتها، وهذا تصور بعيد عن الحقيقة، عُمان تصنع قرارها بإرادتها، وترسم مسارها باستقلالها؛ فعبر العصور بقيت حاضرة بتاريخها العريق؛ عُرفت بأسماء خالدة مثل مجان ومزون والغبيراء، وسبقت كثيرًا من الحضارات التي تتباهى اليوم بوجودها، وأما ما يُثار حول المذهب الإباضي فقد نشأت في هذا الوطن وأنا سني وعشنا منذ الصغر دون انشغال بهذه التصنيفات كانت حياتنا ومازالت بفضل الله قائمة على التعايش والانسجام وستظل كذلك بإذن الله، دون حضور لهذه الانقسامات التي ظهرت لاحقًا حولنا بعيدة عنا مع انتشار الإعلام والفضائيات ثم وسائل التواصل، هذه الوسائل استُخدمت أحيانًا لإثارة الفرقة بدل تعزيز التقارب، لم نعرفها الا من خلال القنوات الفضائية وانتشار الانترنت وبرامجها التي زرعتها وقوتها بين الأمم والدول لهدمها.

المذهب الإباضي الذي يتعرض للهجوم من البعض هو جزء نفخر به كما نفخر بعُمان، عُرِفَ بالاعتدال ولم يُسجَّل عليه أو على عُمان التاريخ من سفك الدماء أو الدعوة إلى الفتنة أو التحريض بين الناس، وكان مساحةً للتلاقي وجسرًا للتفاهم داخل عُمان وخارجها، حافظ على صفائه عبر الزمن، من يزعم غير ذلك، فليأتِ بدليل على بلد مزقه هذا المذهب، أو إنسان أُزهقت روحه بسببه، من يجهل الحقيقة يعجز عن إنصاف الآخرين، ويكتفي بترديد ما يُملى عليه دون أن يرى ما حوله من وضوح، لقد صنعت عُمان عبر العصور حضورًا راسخًا ومؤثرًا؛ فاسألوا التاريخ عن علمائها وتجارها، واسألوا عن أئمتها وسلاطينها في شتى بقاع الأرض، وتبقى أفريقيا والصين شاهدين حيّين بل العالم أجمع على إسهاماتهم في نشر الإسلام والحضارة، وبناء جسور السلام والأمن، وذلك وحده كافٍ ليمنحنا فخرًا وشموخًا دائمين.

وعلماء الأمة عبر التاريخ لم يفرضوا أنفسهم على الناس ولم يدعوا إلى اتباعهم قسرًا، اجتهدوا وتركوا مساحة للاختلاف الذي يحمل سعة ورحمة، حافظوا على وحدة الأمة ولم يغذوا الانقسام، تركوا إرثًا دينيًا راسخًا يقوم على الفهم والاجتهاد، بعيدًا عن التعصب الذي يظهر اليوم تحت مسميات مذهبية وطائفية، في عُمان يجتمع الناس على الإسلام وتبقى الوحدة الوطنية حصنًا يحميها من كل من يحاول النيل منها، أهلها معروفون بالطيبة، ومع ذلك يقفون بثبات أمام أي إساءة تمس وطنهم أو قيادته أو تاريخه، فهم مع طيبتهم سيوف تنزل على رقاب كل من تسول له نفسه بالاعتداء على عُمان أو المس بمكانتها وسلطانها.

يُثير الاستغراب حقًا أن تُحمَّل أخطاء يرتكبها بعض ضعاف النفوس وعديمي الضمير إلى مجتمعات كاملة لا علاقة لها بتلك التصرفات، إلى شعوب عُرفت بالأخلاق والتسامح؟ شعوب جعلت الأمن رسالة والاستقرار هدفًا، عُمان لم تعتدِ على أحد، والتاريخ يشهد بذلك، نهجها قائم على السلام، وعلى تجنب الصراعات، وعلى حفظ كرامة الجار، ومع ذلك يظهر من يسيء ويقلب الحقائق ويزرع الفتن، ولو تأمل موقعه لوجد نفسه ضئيلًا أمام عظمة التاريخ والحضارة، كغصن يابس سقط من شجرة عريقة لا يتسع له مكان بين فروعها، وعن نفسي عشت وأعيش في هذا الوطن منذ الصغر ولم أرَ ما يُشاع من افتراءات، نعيش بمحبة وانسجام وفي البيت الواحد تجد تنوعًا بين سني وإباضي وشيعي، نتشارك الحياة ونتزاوج، ونتقاسم الأفراح والأيام، يجمعنا ديننا وتوحدنا عُمان، ونسير على نهج رسول الله ﷺ، من فقد البصيرة قد تغيب عنه هذه الحقيقة، حتى لو كانت واضحة أمامه؛ فالعمى الحقيقي عمى القلب عندما يُعرض الإنسان عن الحق ويتبع الوهم.

ستبقى عُمان شامخة بإذن الله، رمزًا ثابتًا للحكمة والتوازن، نسأل الله أن يحفظها قيادة وشعبًا، وأن يديم عليها الأمن والاستقرار، والتحية والود والمحبة لكل من يدرك مكانة عُمان وقيمتها؛ فهي أرض الأمان، ووجهة السلام، وبوصلة الاتزان.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الصوت الذي يصرخ في الوحشة.. مفهوم الأدب في غير كتب الأدب

    أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلغة عربية فصيحة، فحفظها من الضياع، وأتاح لها البقاء والانتشار، وحمل مرويات العرب من أشعار وأحاديث نبوية شريفة، ومعطيات في تفسير كتاب الله، وخطب وأمثال…

    معادلة الرد الإيراني.. بين الاستراتيجية وحسابات البنية التحتية

    ​في ظل التوترات المتصاعدة، يبرز تساؤل جوهري: هل تستطيع إيران الرد على أي استهداف لمنشآت الطاقة (النفط والغاز) على أراضيها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؟ الإجابة التقنية هي “نعم” قاطعة،…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    عُمان ميزان الاتزان

    عُمان ميزان الاتزان

    معادلة الرد الإيراني.. بين الاستراتيجية وحسابات البنية التحتية

    معادلة الرد الإيراني.. بين الاستراتيجية وحسابات البنية التحتية

    الصوت الذي يصرخ في الوحشة.. مفهوم الأدب في غير كتب الأدب

    الصوت الذي يصرخ في الوحشة.. مفهوم الأدب في غير كتب الأدب

    "العنبر الخامس".. لغة قضبان السجن المنسية

    "العنبر الخامس".. لغة قضبان السجن المنسية

    جودة الخدمة ورضا المستفيد

    جودة الخدمة ورضا المستفيد

    الصفات وحدها لا تصنع قائدًا

    الصفات وحدها لا تصنع قائدًا