في المشهد الأدبي العُماني المتنامي، تبرز الكاتبة العُمانية بوصفها صوتًا سرديًا يمتلك جرأة الاقتراب من المناطق المسكوت عنها، وقدرة لافتة على تحويل التجربة الإنسانية إلى نص نابض بالحياة والتأمل. وفي روايتها «العنبر الخامس»، تقدم الروائية العُمانية آية السيابي عملًا يتجاوز حدود الحكاية إلى فضاء أعمق من التأمل الإنساني.
إن ما تحققه آية السيابي في هذا العمل لا يقتصر على لفت الانتباه، بل يرسّخ حضورها ككاتبة تمتلك مشروعًا أدبيًا واضح المعالم، قادرة على إعادة تشكيل الواقع عبر لغة مكثفة ورؤية جمالية واعية. فهي لا تكتب من موقع الراوي فحسب، بل من موقع الشاهد والباحث في أعماق النفس البشرية، وهو ما يمنح نصها صدقًا وتأثيرًا يلامس القارئ منذ اللحظة الأولى.
تنتمي الرواية ظاهريًا إلى أدب السجون، غير أن آية السيابي تتجاوز هذا الإطار لتقدم تجربة إنسانية مركّبة؛ حيث لا يكون السجن مجرد جدران وأسوار، بل حالة نفسية ووجودية تعكس هشاشة الإنسان وصلابته في آنٍ واحد. والأهم من ذلك، أن السجن هنا يكاد يتحول إلى كائن حي، يتكلم يراقب، يصغي، ويحتفظ بأسرار ساكنيه، كأنه ذاكرة مادية تتراكم فيها الحكايات التي لم تجد طريقها إلى الضوء.
تدور الأحداث داخل “العنبر الخامس” في سجن نسائي؛ حيث تتقاطع مصائر مجموعة من السجينات، لكل واحدة منهن حكايتها الخاصة وجراحها التي جاءت بها إلى هذا المكان المغلق. ومن خلال تعدد الأصوات السردية، تمنح آية السيابي شخصياتها مساحة للاعتراف والبَوح، لكنها في الوقت ذاته تترك مساحات واسعة للصمت، وكأن ما لا يُقال هو الحكاية الحقيقية.
غير أن ما يمنح النص فرادته الحقيقية هو بناؤه السردي غير التقليدي؛ إذ لا يسير وفق خط زمني واضح، بل يتشكّل كأرشيف هش من الذكريات والاعترافات المتناثرة. القارئ هنا لا يتلقى قصة مكتملة، بل يعيد تركيبها بنفسه، جامعًا شظايا الحكاية كما لو أنه أمام مرآة مكسورة، يرى في كل قطعة منها احتمالًا مختلفًا للحقيقة.
كما أن الرواية لا تنحاز إلى تقديم شخصياتها بوصفها ضحايا خالصات أو مذنبات خالصات، بل تضعهن في منطقة رمادية؛ حيث تتداخل المسؤولية مع القهر، والخطأ مع الظروف. هذا التوتر الأخلاقي المستمر يجعل القارئ في حالة مراجعة دائمة لأحكامه، بدلًا من الاطمئنان إلى يقين جاهز.
ومن اللافت كذلك حضور الصمت بوصفه عنصرًا سرديًا فاعلًا؛ فبين السطور مساحات بيضاء، وجمل مبتورة، ومواقف لا تُشرح بالكامل، وكأن النص يتعمّد أن يُخفي بقدر ما يكشف. هنا تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة، لا للواقع فقط، بل للنسيان أيضًا.
أما الزمن في الرواية فليس زمنًا خطيًا؛ بل زمن متداخل يشبه ذاكرة الإنسان؛ حيث يتسلل الماضي إلى الحاضر دون ترتيب، وتتحول اللحظة الراهنة إلى امتداد لآلام قديمة. هذا الاضطراب الزمني يعكس الحالة النفسية للشخصيات، ويجعل من الزمن عبئًا آخر يضاف إلى ثقل السجن.
لُغة الرواية تأتي مُكثَّفة ومُقتصِدة، لكنها مشحونة بالدلالات، تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح، وتصل إلى المعنى دون استطراد. هذه الكثافة لا تقلل من عمق النص، بل تضاعف أثره؛ حيث تتسلل العبارات بهدوء إلى وجدان القارئ، تاركة أثرًا طويل الأمد.
كما تطرح الرواية تساؤلات عميقة: كيف يمكن للإنسان أن يُحافظ على إنسانيته في فضاء يسعى إلى سلبها؟ وهل الحرية حالة خارجية أم شعور داخلي قد يولد حتى خلف القضبان؟ بل وتذهب آية السيابي أبعد من ذلك، لتلمّح إلى فكرة أكثر إيلامًا: أن الإنسان قد يعتاد القيد إلى درجة يخشى فيها الحرية نفسها.
وفي زمنٍ تتزاحم فيه الإصدارات وتتشابه الحكايات، تظل «العنبر الخامس» عملًا يستحق التوقف عنده لا لمجرد قراءته، بل لاختباره كرحلة داخل الذات الإنسانية. إنها رواية لا تمنحك المتعة فحسب، بل تترك فيك أثرًا فكريًا ووجدانيًا يدفعك إلى إعادة النظر في مفاهيم الحرية، والعدالة، والإنسان.
المصدر:
عرض الخبر من المصدر




