رائحة غدر في المكان، رائحة مألوفة يعرفها الخواجة يوليوس جيداً، إنها رائحة الفئران وآثار أقدامها، لقد جاءت بعيونها التي لا تنام، ناوية أن تسرق الراحة، وقد أرادت ببساطة الانتقام.
راح الخواجة يوليوس في قلقه بعيداً عن اللوكندة، تذكر أن العالم الشرير له أعداء ومعاونين، من منح الفئران وتلك الجرذان التي تعيش وسط الأمور النتنة والعفنة قوة الظهور فوق طاولة اللوكندة، وترك رسالة شديدة اللهجة.
(يا خواجة يا خواجة… مش عايزين أي حاجة… بس عايزين منك تدينا الأمان)
الخواجة يوليوس: يا خبيبي يا كمال… ما أنا شفتهم بعينيا الاتنين.. الفيران دي مجنونة!
شعر الخواجة يوليوس بالصداع، أراد أن يمتطي كرسياً متحركاً، يروح به أمام خلف، يهتز ليريح أعصابه التالفة، وعيونه الخائفة، إنه يخشى من البكرة، ومن تكرار الفكرة، أن يأتي من يسرقه، ومن يلقي به في نار الحرام.
ولم تشعر الفئران أن الحرام مشكلة، وأن السرقة للبعض قد تكون مُكلفة، سارقة حيواتهم الزاهية وتحويشات العمر ورواتب الموظفين، كمال الضفدع والبط شفيق، وسرحان السلحفاة والعصفورة صوفيا، وأي أحد من أهل اللوكندة.
أبو سريع: الرسالة… حتخلي يغير رأيه فينا، وإننا فعلاً وحشين!
أبو سريع: مش بالسرعة دي يا عبيط!، عايزينه يفهم إن الدنيا باظت، باظت وما بقاش فيها الحلو والمفيد!
تيار غريب صنعه البط شفيق وسط حوض السمك، إنه يجرب الحركة والشقلبة، ويعوم دون أن يأبه لمشاعر السمكات الحائمة بين الماء، نسج فقاعات متكررة، فقاعة تلو الأخرى، ليلفت انتباه صديقه كمال.
يخرج شفيق من الماء، ويتمسك بأطراف الحوض، ليخرج منه.
إنها تهدد وتندد، تريد كل شيء، إنها فئران وجرذان تريد أن تحكم اللوكندة، وتحكم العالم بأسره بأفكارها العفنة النتنة، ورائحتها الكريهة، هي ربما بحاجة إلى مصيدة جديدة، كما يعتقد الضفدع كمال، لكن شفيق البط يشعر بأن مزيل العرق قد ينهي حياتها أو مسحوق غسيل ببودرة ناصعة البياض قد تفي بالغرض.
لابد أن تُوضع خطة تعين الخواجة يوليوس على إكمال يومه في سلام، وأن ينام في كل مساء دون أن يفكر ملياً في رسائل الجرذان المبطنة والمغلفة بأفكار الانتقام، وإزالة الشعور بالسلام لأهل اللوكندة الأوفياء، ماذا عن العصفورة صوفيا؟، التي خافت كثيراً من هذه الكائنات التي لا تستحم أبداً، ووصفتها بنبرة فيها استعلاء كبير، حين شرحت للضفدع كمال ما حدث.
صوفيا: بصيت من فوق… ما كنوش حلوين أبداً… واحد فيهم تخين اسمه شناوي، والتاني اسمه أبو سريع، وكانوا بيتكلموا كتير… كان لازم أغني بصوتي، عشان يسمع الخواجة يوليوس…ويفوق!
وفعلاً شعر الخواجة يوليوس بصوت صوفيا، يخترق أحلامه عن اليونان، فاستفاق وأحدث جلبة غير مسبوقة حين تعثر واصطدم بالأشياء وسط الظلام، أراد شمعة أو مصباحاً يدوياً يحمله ليتحرك بسرعة قبل أن يصل إلى زر ينادي على الكهرباء لتصل إلى عروق الثريا المتوسطة لسقف اللوكندة، ولمصباح آخر فوق طاولة الاستقبال تماماً…. وهل وصل إلى مسرح الجريمة في الوقت المناسب؟… ربما.
المصدر:
عرض الخبر من المصدر





