لماذا لا يتكلّم أحد؟

ينتهي الاجتماع بسؤالٍ مُعتاد: «هل من ملاحظات؟» تتبادل العيون نظراتٍ قصيرة، يتحرّك أحدهم في مقعده، يُقلِّب آخر أوراقه، ثم يسود الصمت. صمتٌ يبدو مهذبًا ومنظمًا، خاليًا من التوتر. يُعتمد القرار بسهولة، ويخرج الجميع بعد اجتماعٍ انتهى في وقتٍ قياسي. كل شيء يبدو جيدًا… وربما جيدًا أكثر مما ينبغي.

لكن السؤال الذي يبقى معلّقًا ليس عن القرار نفسه، بل عن الصمت الذي سبقه: هل كان الجميع مقتنعًا فعلًا؟ أم أنَّ أحدًا اختار ألا يتكلّم؟

في كثيرٍ من المؤسسات، لا تُصنع الأخطاء الكبرى لأنَّ الناس لا يفهمون، بل لأنهم يفهمون… ويصمتون. فالصمت ليس دائمًا علامة انسجام، ولا دليل رضا، بل نتيجة حساباتٍ داخلية دقيقة تدور في ذهن كل فرد: هل الوقت مناسب؟ هل سيُفهم اعتراضي على أنه تشكيك؟ هل سأبدو معارضًا أكثر مما ينبغي؟ أم أنَّ السلامة أولى من أن أضع نفسي في دائرة الضوء؟

ومع كل سؤالٍ داخلي، تُؤجَّل الملاحظة. ومع كل تأجيل، يكبر القرار دون أن يُختبر بما يكفي.

المفارقة أنَّ الأذكياء هم الأكثر ميلًا إلى الصمت في بعض البيئات؛ لا لأنهم بلا رأي، بل لأنهم يملكون حسًّا عاليًا بالعواقب. يعرفون موازين القوى، ويدركون حساسية اللحظة، ويحسبون كلفة الاحتكاك. فيختارون السلامة على الصدق، والهدوء على النقاش، ثم يكتشفون متأخرًا أنَّ السلامة نفسها كانت جزءًا من الخلل.

وهكذا يتشكّل ما يمكن تسميته «الصمت المنظّم»؛ صمتٌ لا يثير الشبهات، ولا يخلّف ضجيجًا، لكنه يسلب المؤسسة أهم أدواتها: التصحيح المبكر. فالقرار الذي لا يُناقَش بما يكفي لا يكون قويًا… بل غير مُختبَر.

الخطر في هذا الصمت أنه لا يترك أثرًا مباشرًا: لا مشادّة، لا توتر ظاهر، لا انقسام علني. لكنه يخلّف فراغًا في لحظة كان ينبغي أن تُقال فيها جملة واحدة تغيّر المسار. مؤسساتٌ كثيرة لا تتعثر لأن أفكارها سيئة؛ بل لأنها لم تُمحَّص كما ينبغي، ولم تُختبر بوجهات نظر مختلفة، ولم تُصقَل بالنقاش.

ومع الوقت، تتشكّل بيئة تبدو مستقرة وهي في حقيقتها هشّة. قرارات تمرّ بسهولة، اجتماعات تنتهي بسرعة، وانسجامٌ ظاهري يخفي تحفّظًا داخليًا. كل شيء يسير بهدوء، إلى أن يظهر الخطأ متأخرًا، بعدما يصبح تصحيحه أكثر كلفة وأشد إيلامًا.

المشكلة ليست في غياب الجدل، بل في غياب الأمان. حين يشعر الإنسان أن رأيه قد يُفسَّر تمرّدًا، أو أن سؤاله قد يُقرأ اعتراضًا شخصيًا، يبدأ بتهذيب أفكاره قبل أن ينطق بها. ومع الوقت، لا يختار السلامة في كلماته فقط؛ بل في مواقفه أيضًا. وهكذا تفقد المؤسسة تدريجيًا شجاعتها الداخلية، حتى وإن بدت ناجحة من الخارج.

ليس المطلوب أن يعترض الجميع دائمًا، ولا أن يتحول كل اجتماع إلى ساحة صراع. المطلوب فقط أن يشعر الجميع أن الكلمة الصادقة لا تُكلّف صاحبها شيئًا، وأن الاختلاف ليس تهديدًا للهيبة، بل حمايةٌ للقرار.

فالمؤسسة التي لا يُسمع فيها الاختلاف، لا تسمع نفسها كاملة. والتي تعتاد الصمت لا تُفاجَأ بالأخطاء؛ بل تصنعها ببطء. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأخطر: من أخطأ؟ بل: من كان يعلم، واختار ألا يتكلّم؟

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    تكريمًا لحضرة صاحب الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم- حفظهُ اللهُ ورعاهُ- أقام جلالةُ الملك تشارلز الثالث المملكة المُتّحدة مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارة…

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    أعلنت مرسيدس-بنز الشرق الأوسط تعيين وكالة “رودر فين أتلين”، الذراع الإقليمية لمجموعة “رودر فين” في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإحدى أكبر وكالات الاتصال المستقلة على مستوى العالم، شريكاً إقليمياً…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    الملك تشارلز الثالث يستشهد بحديث نبوي وأبيات شعرية عُمانية وأقوال ابن بطوطة

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    شاهد بالفيديو.. مأدبة عشاء ملكية تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    32 صورة توثق مأدبة العشاء الملكية في قلعة ويندسور تكريمًا لجلالة السلطان

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    "مرسيدس-بنز الشرق الأوسط" تختار "رودر فين أتلين" شريكاً لاتصالاتها الاستراتيجية عبر 106 أسواق عالمية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    خبراء وباحثون من 140 دولة يجتمعون في جدة لتسريع تطبيق الحلول المائية

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني

    رسمياً.. صدور مرسوم بقانون بتعديل القانون المدني