اعتكاف عرفة.. قراءة في فلسفة الدعاء

يقف الإنسان في ذروة عنفوانه معتقدًا أنه أحكم قبضته على خيوط الحياة، ليصطدم فجأة بجدار سميك من العجز، وتتكشف له هشاشته الأصلية المخبأة تحت قشرة من الثقة الزائفة. يدرك المرء في تلك اللحظات الفارقة أن قوته تظل محدودة، وأن المعادلات البشرية تقف خاوية أمام تعقيدات الواقع ومفاجآته، ليعود طوعًا إلى فطرته الأولى؛ كائنًا يبحث عن ملاذ آمن يأويه من قسوة الاحتمالات ووحشة المجهول، متجردًا من كل ادعاء بالسيطرة المطلقة على مجريات وجوده.

حملتُ معي إلى مشارف يوم عرفة أُمنيةً شديدة التعقيد، تشابكت خيوطها وتداخلت مساراتها حتى بدت في ميزان العقل البشري المحدود ضربًا من المحال. طوقتني حسابات الواقع بأسوارها العالية، وفرضت عليَّ حصارًا نفسيًا خانقًا، جعلني أقف أمام تلك الأمنية مكتوف الأيدي، أنظر بأسى إلى المسافة الشاسعة بين ما أرجوه بصدق وبين المعطيات المادية البشريّة. تكدست الأسئلة بلا إجابات في رأسي، وتزاحمت المخاوف في صدري، وصار الضجيج الداخلي أعلى من قدرتي على الاحتمال، مجبرًا إياي على البحث عن مخرج علوي ينقذ روحي من هذا التمزق ويعيد إليها توازنها المفقود.

جاء قرار الاعتكاف في المسجد كاستجابةٍ فطرية لنداء داخلي يطلب النجاة ويأبى الاستسلام. مثّل هذا الانسحاب الاختياري محاولة جادة للفرار من صخب العالم، وخطوة ضرورية لإعادة ترتيب الفوضى التي اجتاحت كياني الداخلي. هناك في تلك الزاوية القصية، تجاوزت قراءتي للقرآن الكريم حدود التلاوة التقليدية، لتتحول إلى حوار حيّ ونابض بين عبد مُثقل بالهموم ورَب واسع الرحمة. اتخذت الآيات أبعادًا شخصية شديدة العُمق، وكلما مَرَرْتُ بآية تروي قصة فرج أعقب ضيقًا شديدًا، أو نصر تجلى بعد يأس مُطبق، توقفتُ طويلًا أستلهمُ منها الأمل، وأرفعُ يدي بالدعاء الحار راجيًا أن ينالني نصيب وافر من ذلك الفضل. تماهت نصوص الوحي مع تفاصيل معاناتي، وصار كل وعد إلهي باليسر بمثابة طوق نجاة أتشبث به بقوة وسط أمواج الواقع العاتية.

انبثق من رحم تلك الخلوة الصادقة تحول نفسي وفلسفي جذري، أضاء مساحات مُعتمة في إدراكي لطبيعة الرغبات الإنسانية. تتستر أمنياتنا المعقدة عادة خلف جوع أعمق لمعانٍ أسمى وأبقى؛ فنحن في حقيقة الأمر نبحث بشغف عن الطمأنينة والأمان والسكينة المخبأة خلف تلك الأشياء التي نستميت في طلبها. ذابت تفاصيل أمنيتي المستعصية في بحر واسع من الرضا بقضاء الله، وتضاءلت قيمتها في مقابل ذلك السلام الروحي الذي غمرني، مؤكدًا لي عبر تجربة حية أن الغاية القصوى للوجود الإنساني تتمثل في سكون القلب واستراحته التامة في كنف اليقين.

بلغتْ تلك الرحلة الروحية ذروتها الشعورية في لحظة فارقة، لحظة تقاطعت فيها مسارات الغيب بطريقة مدهشة مع حاجتي الماسة لرسالة طمأنينة فاصلة. فتحت هاتفي مُتصفحًا منصة يوتيوب، فظهر لي مقطع قصير لفضيلة القارئ الشيخ السيد سعيد، ينطلق صوته الرخيم مُحمَّلًا بشجنٍ سماويٍّ عجيبٍ وعُمقٍ يأسرُ الوجدان، وهو يتلو بخشوع آسر قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا. وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}. اخترقت تلك الكلمات النورانية طبقات الخوف المتراكمة في صدري، واستقرت في أعمق نقطة من روحي، مُسببةً زلزالًا هادئًا مسح عن قلبي غبار الشكوك. جاءت هذه الآية الكريمة بتوقيت إلهي مذهل ودقيق، لتحسم صراعًا داخليًا طويلًا، وتأمرني بوضوح تام أن أترك أذى الأفكار المتشائمة، وأن ألقي بحمولي كلها على الوكيل الأعظم.

تؤكد هذه التجربة الذاتية حقيقة فلسفية ونفسية عميقة؛ وهي أن الإنسان يظل، رغم كل إنجازاته الحضارية، كائنًا يبحث باستمرار عن قوة متعالية يتكئ عليها متى انهارت أمامه صروح المنطق المادي. يمارس الدعاء تأثيره السحري بأساليب دقيقة تتجاوز الفهم السطحي لآلية الاستجابة المباشرة، ليمتد أثره مؤسسًا لعملية هدم وبناء شاملة داخل الإنسان نفسه. يعيد الدعاء الصادق هندسة الروح من الداخل، ويصلح الأعطاب النفسية التي خلفتها خيبات الأمل، ويوسع مدارك العقل ليتقبل مختلف السيناريوهات برضا وتفويض كاملين. يتحول العبد المنكسر من خلال اللجوء إلى الله إلى شخصية صلبة متماسكة، مزودة بطاقة روحية تمكنها من رؤية المنح السخية المخبوءة في قلب المحن القاسية. هكذا يتغير الإنسان جذريًا وتتجدد بصيرته قبل أن تتغير تفاصيل واقعه.

تستقر الحقيقة الكبرى في نهاية هذه التأملات لتؤكد أن الإنسان، بكل جبروته الظاهري وما أوتيه من علم، أضعف بكثير مما يتصور، وأحوج ما يكون إلى مَددٍ إلهي دائم يعينه على مقاومة انكسارات الحياة وتجاوز عقباتها. تتلخص أعظم ثمار الدعاء واللجوء إلى الله في تلك القدرة العجيبة والمدهشة على الصبر والثبات والاحتساب أثناء فترات انتظار الفرج. تنطوي التجربة الإنسانية على محطات من العجز الشديد والاختناق، تتطلب لتجاوزها بسلام الاعتراف التام بتلك الهشاشة الأصلية، وتسليم القياد طواعية لمن بيده ملكوت كل شيء، متسلحين بيقين ثابت لا يتزعزع بأن الوكيل الأعظم سيوصلنا حتمًا إلى شواطئ الأمان والسكينة، مهما اشتدت العواصف من حولنا.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

  • Related Posts

    الشباب يعيدون تشكيل الحوار الحضاري بين مصر والصين

    عندما يحفظ طالب صيني أبياتًا من المعلقات العربية، وعندما يظهر شاب مصري مرتديًا الزي المصري القديم (الفرعوني) في حفل تخرجه بإحدى الجامعات الصينية، وعندما تبدأ فتاة صينية بتقليد مشاهد من…

    عُمان أكبر من لُغة التهديد

    في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية وقيم الاحترام المتبادل بين الدول، تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السياسية كالعادة خروجًا عن كل ما تقتضيه الحكمة والدبلوماسية، خصوصًا حين تصدر…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الشباب يعيدون تشكيل الحوار الحضاري بين مصر والصين

    الشباب يعيدون تشكيل الحوار الحضاري بين مصر والصين

    عُمان.. وطن من الحكمة والعزة

    عُمان.. وطن من الحكمة والعزة

    عُمان أكبر من لُغة التهديد

    عُمان أكبر من لُغة التهديد

    اعتكاف عرفة.. قراءة في فلسفة الدعاء

    اعتكاف عرفة.. قراءة في فلسفة الدعاء

    لماذا تتبادل أمريكا وإيران القصف رغم اقتراب الاتفاق؟

    لماذا تتبادل أمريكا وإيران القصف رغم اقتراب الاتفاق؟

    غزة.. حجُّ القلوب المحاصرة

    غزة.. حجُّ القلوب المحاصرة